وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ".
(باب: الدين يسرٌ) المراد بالدين: دين الإسلام؛ لأنه المتبادر، بـ (يُسْر) ذو يسر ليصح حمله على الدين، أو سمِّي الدين يسرًا مبالغة، كقول بعضهم في النبيِّ - ﷺ -: إنه الرحمة، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(وقول النبيِّ) بالجر عطف على الجملة قبله، بتقدير إضافة بابٍ إليها، وبالرفع عطفٌ عليها بدون هذا التقدير، أو على بابٍ، وخبره على الرفع محذوفٌ، أي: وارد وثابت.
(أحب الدين) أي: أحب خصاله، وأحبُّ بمعنى محبوب، لا بمعنى محب. (الحنيفية) أي: الملة المائلة عن الباطلِ إلى الحق.
(السمحة) أي: السهلة، والمراد: أنه لا حرج فيها ولا تضييق، بخلاف سائر الأديان، فالمراد بالدين: ملة الإسلام، كما مرت الإشارة إليه، ويحتمل: أن تكون اللام للعهد؛ إشارة إلى ملة إبراهيم، إذ الحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم؛ لأنه مال عن عبادة الأوثان، وإنما أخبر عن الدين وهو مذكَّرٌ بالحنيفية السمحة وهما مؤنثان لغلبة الاسمية عليهما حتى صارا علمين، أو لأنَّ أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه، ويجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، فإن قلت أفعل التفضيل يقتضي المشاركة، فيلزم أن يكون كل دينٍ محبوبًا لله تعالى، وليس كذلك.
قلت: المراد بالدين: الطاعة، أو دين الإسلام لكن بتقدير أَحَبُّ
[ ١ / ١٩٩ ]
خصال الدين، كما مرَّ.
وخصاله كلها محبوبة لله تعالى، لكن ما كان منها سمحًا سهلًا، فهو أحبُّ إلى الله تعالى.
والتعليق المذكور أسنده ابن أبي شيبة، والبخاريُّ في: "الأدب المفرد" (١)، وإنما علقه هنا؛ لأنه ليس على شرطه.
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".
[٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١/ ٩٣]
(عبد السلام بن مُطَهَّر) هو بضم الميم وفتح الهاء المشددة. ابن حسام الأزديُّ. (عمر بن علي) أي: ابن عطاء، وعمر وإن كان مدلسًا لكن لروايته شواهد تعضدها. (معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة، واسم جده: معن أيضًا. (عن سعيد بن أبي سعيد) اسم أبي سعيد: كيسان المقبريُّ، بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة، وكان مجاورًا بها.
(يسر) أي: ذو يسر كما مرَّ. (ولن يشاد الدين) أيُّ: "أحد" كما في نسخةٍ أي: يغالب، بمعنى: أن الدين يغلب من غالبه أي لا يتعمق فيه أحد ويترك الرفق إلَّا غلبه، وعجز وانقطع عن عمله كله، أو بعضه. (فسددوا) بالمهملة من السداد: وهو التوسط في العمل. (وقاربوا) أي:
_________________
(١) "الأدب المفرد" ص ١٠٤ (٢٨٧) باب: حسن الخلق إذا فقهوا. وقال الألباني: حسن لغيره.
[ ١ / ٢٠٠ ]
في العبادة، والمعنى: إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه.
(وأبشروا) بقطع الهمزة، وكسر الشين من الإبشار، ويجوز لغة وصل الهمزة وضمُّ الشين من البشر، بمعنى الإبشار أي: أبشروا بالثواب على العمل، وإن قل وترك المبشر به للتنبيه على تعظيمه وتفخيمه. (بالغدوة) بضم الغين، وقيل: بفتحها: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. (والروحة) بفتح الراء: ما بين الزوال وغروب الشمس، وقد يقال لما قبل الزوال أيضًا. (الدُّلْجة) بضم الدال المهملة، وسكون اللام: سير آخر الليل، أو الليل كلّه، أما الدَّلجة بالفتح فسير أول الليل.
واستعار في الحديث الأوقات الثلاثة، لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة؛ لأنها أطيب أوقات المسافر، فكأنه - ﷺ - خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع. وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنه المداومة من غير مشقة.