وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
(باب: زيادة الإيمان ونقصانه) بإضافة باب. (وقول الله) مع اللذين بعده عطف على زيادة الإيمان. (تعالى) في نسخةٍ: "﷿".
والهدى: دلالة موصلة للبغية، وقيلَ: الدلالة مطلقة، وقوله: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) [المائدة: ٣] دليل على نقص الإيمان؛ لأن ما قبل أحد الضدين قبل الضد الآخر، وإنما لم يقل فيه وقوله، كما في الآية الأولى الدالة على السيادة لصراحة تلك في الزيادة وهذه ليست صريحة في النقصان، ثم النقصان فيهما إنما هو بالنسبة إلى ما تجدد من الحج ونحوه، حتَّى أن من مات قبل نزوله فإيمانه ناقص بالنسبة إليه، وإلا فإيمانه، كغيره كامل في نفسه، فسقط ما قيل: إن الآية تقتضي أن الدين كان ناقصًا قبلُ، وإن من مات من الصحابة كان ناقص الإيمان.
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيرٍ، وَيَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إلله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وَزنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيرٍ، ويخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ". قَالَ أَبُو عَبدِ الله: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، حَدَّثَنَا أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "من
[ ١ / ٢١٠ ]
إِيمَانِ". مَكانَ: "مِنْ خَيرِ".
[٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ - مسلم: ١٩٣ - فتح: ١/ ١٠٣]
(مسلم بن إبراهيم) كنيته: أبو عمرو البصريُّ الأزديُّ. (هشام) هو ابن عبد الله سندر الربعيُّ، نسبةً إلا ربيعةَ.
(يخرج) بالبناء للفاعل من الخروج، وفي نسخة: "يخرج" بالبناء للمفعول من الإخراج. (من قال) أي: بقلبه ولسانه. (لا إله إلا الله) أي: مع قوله: محمد رسول الله بجعل الجزء الأول علمًا على المجموع كـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] علم على السورة كلها، أو كان هذا قبل مشروعية ضم الثاني إليه.
(من خير) أي: إيمان، كما في الرواية الأخرى، والمراد بهما: الإيمان بجميع ما جاء به النبيُّ - ﷺ -، والتنكير فيهما للتقليل المرغب في تحصيله؛ لأنه إذا حصل الخروج بأقلِّ ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فالبكثير منه أحرى، وفي ذلك استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان وهو معنى بالجسم، ثم أضيف إليه ما هو من لوازم الجسم وهو الوزن. (برة) بضم الباء وتشديد الراء أي: قمحة.
(ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء: أصغر النمل، أو الهباء، الذي يظهر في عين الشمس كرءوس الإبر، أو الساقط من الكفِّ بعد وضعها في التراب ونفضها، وقدَّم الشعيرَ على البُرَّةِ؛ لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأخَّر الذرةَ لصغرِها، فهو من باب الترقي في الحكم، وإن كان من باب التنزل في الصورة.
وفي الحديثِ: الدلالةُ على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وأن الكبيرة لا يكفر مرتكبها ولا يخلد في النار، وفي نسخة: بدل (ذَرَّة) "ذُرَةٌ" بضم المعجمة وتخفيف
[ ١ / ٢١١ ]
الراء.
(قال أبو عبد الله) هو البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (قال أبان) في نسخةٍ: "وقال أبان" وهو بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، بالصرف على أن الهمزة أصلية، فوزنه: فَعَال، وبالمنع على أنها زائدة، فوزنه: أفعل، وأبوه: يزيد العطار البصريُّ، وهذا من تعليقات البخاريّ، نبه به على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته، إلا إذا ثبت سماعه للذي عنعن فيه، وعلي تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير).
٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» [٤٤٠٧، ٤٦٠٦، ٧٢٦٨ - مسلم: ٣٠١٧ - فتح: ١/ ١٠٥]
(الحسن بن الصَّبَّاح) في نسخةٍ: "الحسن بن البزار" بزايٍ ثم راءٍ، وجدُّ الحسن: محمد الواسطيّ. (جعفر بن عون) أي: ابن جعفر المخزوميَّ. (أبو العميس) بالتصغير: الهذليُّ. (قيس بن مسلم) كنيته: أبو عمرو الكوفي [العابد] (١). (عن طارق بن شهاب) كنيته: أبو عبد الله بن شهاب بن عبد شمس البجيليُّ الصحابيُّ.
(أنَّ رجلًا) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم. (آية) مبتدأ سوغ
_________________
(١) من (م).
[ ١ / ٢١٢ ]
الابتداء به وصفُه ما بعده، أو بالتعظيم المستفاد من التنوين: أي: آية عظيمة، والخبر: (لو علينا) أي: لو نزلت علينا، أو محذوف مقدم على المبتدأ؛ أي: في كتابكم آية، وعليه: (لو علينا) صفة ثالثة لـ (آية).
(معشر اليهود) بالنصب على الاختصاص، بأعني، أو نحوه، والمعشر: الجماعة شأنهم واحد. (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من كمال الدين. (أي آيةٍ) أي: هي، فالخبر محذوف، ولم يقل: ما تلك الآية؟ لأن السؤال بأي عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما: يسأل بها عن الحقيقة وليس مرادةً هنا. (قال) أي: الرجل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: بالنصر والإظهار على الأديان، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع. ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] أي: بالهداية، والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكّة، وهدم منار الجاهلية.
(قال عمر) في نسخةٍ: "فقال" (نزلت فيه) في نسخةٍ: "أنزلتْ فيه". (على النَّبيِّ) في نسخةٍ: "على رسول الله". (بعرفة) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث. (يوم جمعة) في نسخةٍ: "يوم الجمعة".