فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] عَلَى نِيَّتِهِ. "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ" وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".
[١٨٣٤]
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" [انظر: ١ - مسلم: ١٩٠٧ - فتح: ١/ ١٣٥]
(باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة) بفتح (أن) فاعل (جاء)
_________________
(١) "صحيح مسلم بشرح النووي" ١/ ١٨٥، والحديث رواه "مسلم" برقم (٩٧٧) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن الانتباذ في المزفت، والدباء.
[ ١ / ٢٣٩ ]
أو على إضمار (من) أي: [من أن الأعمال، وبكسرها على إضمار القول] (١) أي: من قول النَّبيِّ - ﷺ - أن الأعمال وفي نسخةٍ: "أن العمل". (والحسبة) بكسر المهملة أي: الاحتساب، والإخلاص، وهو مع قوله: (ولكلِّ امرئٍ ما نوى) عطف على ما جاء.
(فدخل فيه) أي: فيما ذكر، وفي نسخةٍ قبل هذا: "قال أبو عبد الله" أي: البخاريُّ (الإيمان) أي: على رأيه من أنَّه عملٌ كما مرَّ، أمَّا على رأيِ الجمهور من أنَّه: التصديقُ، فلا يحتاجُ إلى نيةِ، كسائرِ أعمالِ القلوبِ.
(والأحكام) أي: من المعاملات، والمناكحات، والجراحات، إذ يُشترطُ فيها القصدُ، فلو تُرك كان سبق لسانه إليها لغت، وأمَّا تَرتُّبُ الضمانِ على العاقلةِ، أو على الجياني آخرًا في الخطأ، فمن قبيل ربطِ الأحكامِ بالأسبابِ، كما في ضمانِ إتلافِ الطَّفلِ في مالهِ، ودلوكِ الشَّمسِ، وغيرها من الأحكامِ الوضعية، ومع ذلك فليس ما ذُكر عامًّا؛ إذ بعضُ الأعمال لا حاجةَ فيه إلى نيةٍ، كما مرَّ بيانهُ أوَّلَ الكتابِ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ [الإسراء: ٨٤] في نسخة: "وقال كلٌّ"، وفي أخرى: "قل كلٌّ".
قال البرماويُّ والظاهرُ: أنَّ الجملةَ حالية لا معطوفةٌ على ما سبق. أي: إنَّ هذه الآية أيضًا تدل على أنَّ جميعَ الأعمال على حسبِ النية فهي مقوية لقوله: فدخلَ فيه كذا، وكذا (على نيته) تفسيرًا لشاكلته، بحذف أداةِ التفسير. "ونفقة الرجل" مبتدأ، وفي نسخة: "نفقة الرجل" بلا واو. (ويحتسبها) حالٌ. (صدقة) خبرُ المبتدأ، والجملةُ بحالها
_________________
(١) من (م).
[ ١ / ٢٤٠ ]
ساقطةٌ من نسخةٍ. (وقال) النَّبيُّ - ﷺ - (ولكن جهاد ونية) رواه في الحجِّ وغيرِهِ مسندًا بلفظِ: "لا هجرة بعد الفتحِ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا أستنفرتُم فانفروا" (١).
(أخبرنا) في نسخةٍ: "حدَّثنا" (الأعمال بالنية إلخ). تقدَّم الكلام عليه أوائل الكتاب. (لدنيا) في نسخة: "إلى دنيا".
٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".
[٤٠٠٦، ٥٣٥١ - مسلم: ١٠٠٢ - فتح: ١/ ١٣٦]
(عن أبي مسعود) اسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري.
(أنفق) حذف مفعوله ليعمَّ القليل والكثير. (على أهله) أي: زوجته وولده، وإن كانت نفقتهما واجبة بشرطها. (يحتسبها) جالس من الفاعل، أو المحذوف. (فهو) أي: الإنفاق، وفي نسخةٍ: "فهي" أي: النفقةُ المفعولةُ.
(صدقة) أي: كالصدقة في الثواب لا حقيقة، وإلَّا لحرمت على هاشمي ومُطَّلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، ولا يضرُّ في التشبيه كون هذا واجبًا، والصدقة غالبًا تطوع، وبه يجاب عن كون المشبه به دون المشبه، فكيف شبه الواجب بالتطوع؟ فيقال: في التشبيه في أصل الثواب لا من كل وجه. على أنَّ كل تشبيه لا يشترط فيه كون
_________________
(١) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة، وبرقم (٢٧٨٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير، وبرقم (٢٨٢٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: وجوب النفير، وبرقم (٣٠٧٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا هجرة بعد الفتح.
[ ١ / ٢٤١ ]
المشبه دون المشبه به، كما قرر في محله.
وفي الحديث: كما قال النوويُّ: الحثُّ على الإخلاص، وإحضار النية في الأعمال، والردُّ على المرجئة في قولهم: الإيمانُ: إقرارٌ باللسانِ فقط، وفي قول: (يحتسبها) دلالة على أنها لا تكون طاعة إلَّا بذلك.
٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ" [١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ١/ ١٣٦]
- (إنك) الخطابُ لسعدٍ، وقِيْسَ به غيرُه، أو عامٌ كما في قولهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢] (لن) حرف برأسه (١). وقيل: أصلُه لا، فأبدِلَ عن ألفهِ نونٌ، أو أصلُه: لا أنْ وحذفت الهمزةُ وسَقطت الألف؛ لالتقاءِ الساكنين.
(تبتغي) أي: تطلُبُ. (بها) الباء للمقابلة، أو للسببية، أو بمعنى على، فيوافقُ قولَه في نسخةٍ: "عليها"، (وجه الله) أي: جهتُه، وهذا من المتشابهِ، ففيه: مذهبان التفويضِ، والتأويلِ. (إلَّا أُجرت عليها) في نسخةٍ: "إلَّا أُجرتَ" لا يُقال: كيف وقع الفعل مستثنى لأنَّا؟ نقولُ: لا محذور فيه. إذ مثلُه واقع في الكتابِ، كقولهِ تعالى ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠].
_________________
(١) أي: أنه حرف مقتضب برأسه وهو مذهب الجمهور، والآخر الذي أشار إليه المصنف مذهب الفراء، والثالث: مذهب الخليل والكسائي.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤]، وفي السُّنةِ كقولهِ - ﷺ -: "لا يبقى أحدٌ منكم إلَّا لُد غير العباسِ" (١) وقوله: "ما من شيءٍ أُريتُه إلَّا رأيتُه في منامي" (٢).
لكن مثلُ ذلك مؤولٌ بما يرجعُ إلى أنَّ المستثنى اسمٌ، وتأويلُه في (إلَّا أجرتَ) إلَّا نفقة أُجرتَ عليها. (حتَّى ما تجعل) أي: الذي تجعلُه، وحتَّى عاطفه لاجارة، وما بعدُها منصوبُ المحل.
(في في امرأتِك) أي: في فمِها، وفي نسخةٍ: "في فمِ امرأتِك" بالميم، وهي لغة قليلة، والمعنى: حتَّى الذي تجعلُه في فمِ امرأتك فتُؤجرُ عليها، وفيه كما قالَ النوويُّ: إنَّ ما أُريد به وجه الله تعالى يثبت فيه الأجرُ، وإنْ حصل لفاعلِه في ضمِنه حظُّ نفس من لذَّةٍ، أو غيرها، كوضعِ اللقمة في فمِ الزوجةِ، وهو غالبًا لحظِ النفسِ والشهوةِ، فإذا كان هذا فيه الأجرُ، فالأجرُ فيما يرادُ به وجهُ الله فقط أولى (٣).