وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إلى
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) انظر: "المفهم" ١/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ١ / ٢٦٥ ]
الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
[فتح: ١/ ١٥٣]
(باب: ما يذكر في المناولة) أي: المقرونة بالإجازة: بأن يأتيَ الشيخ بأصلِ سماعه فيناوله للطالب ويقول: هذا سماعي جزت لك روايته عني، أما المناولةُ المجرَّدةُ عنِ الإجازةِ فلا تجوزُ الرواية بها على الصحيح. (وكتاب أهل العلم) بالجرِّ عطف على ما، أو على المناولةِ. (إلى البلدانِ) أي: أهلِها، وذكرها مثال فمثلها القُرى والصَّحَاري وغيرُهما، ثم المكاتبة إن قرنت بالإجازةِ جازتِ الروايةُ بها قطعًا وإلا فكذلك على الصحيح، وقد بسطتُ الكلامَ على المناولةِ والمكاتبةِ في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (١).
(وقال أنسٌ) وصله البخاريُّ في فضائل القرآن وغيرها (٢) وفي نسخة: "وقالَ أنسُ بنُ مالك". (فنسخَ عثمانُ المصاحفَ) أي: أمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ الله بن الزبيرِ، وسعيدَ بن العاصِ، وعبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشامِ بنسخها، أي: كتابتها، وفي نسخة: "عثمان بن عفان".
_________________
(١) "فتح الباقي بشرح ألفية العراقي" ص ٣٤٥ - ٣٥٩.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٠٦) كتاب: المناقب، باب: نزل القرآن بلسان قريش، و(٤٩٨٤، ٤٩٨٧) كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن.
[ ١ / ٢٦٦ ]
(فبعث بها إلى الآفاق) مصحفًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأمسكَ بالمدينة واحدًا، وقيل: آخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة. (ورأى عبد الله بن عمر) أي: ابن عاصم ابن عمر بن الخطاب.
(ومالك) وفي نسخة: "ومالك بن أنس". (ذلك) أي: ما ذكر من المناولة والكتابة. (بعض أهل الحجاز) هو الحميديُّ شيخ البخاريِّ، والحجاز: مكة والمدينة وقراهما، كخيبر للمدينة، والطائف لمكة، سميت بذلك؛ لأنها حجزت بين نجد والغور.
(في المناولة) أي: في جوازها. (حيث كتب) أي: أمر بالكتابة، أو كتب خرقًا للعادة، وسيأتي في الجهاد أنه كتب بيده. (لأمير السَّرِيَّة) في نسخة: "أمير السَّرِيَّة" وفي أخرى: "لأمير الجيش" وفي أخرى: "إلى أمير الجيش" هو: عبد الله بن جحش، كما في "سيرة ابن إسحاق" (١)، و"الطبراني الكبير" (٢). (ذلك مكان) هو نخلة بين مكة والطائف (٣).
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ" [٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤ - فتح: ١/ ١٥٤]
_________________
(١) انظر: "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٢) الطبراني في "الكبير" ٢/ ١٦٢ - ١٦٣ (١٦٧٠).
(٣) انظر: "معجم ما استعجم" ٤/ ١٣٠٤ - ١٣٠٥، و"معجم البلدان" ٥/ ٢٧٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
(إبراهيمُ بنُ سعدِ) أي: ابن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ. (بعثَ بكتابهِ رَجُلًا) اسمُه: عبدُ الله بنُ حذافةَ السَّهميُّ. (عظيم البحرين) هو المنذر بن ساوى، بسين مهملة وواو مفتوحة، وعبَّرَ بالعظيمِ دونَ ملك؛ لأنَّهُ لا ملكَ ولا سلطنة لكافرٍ، (والبحرين) بلفظ التثنية: بلد بين البصرة وعمَان (١).
(فدفعه) عطف على مقدر أي: فذهب إلى عظيم البحرين، ودفعه إليه، ثم بعثه العظيم. (إلى كسرى) وهو بكسر الكاف أَفصح من فتحها، لقب لكلِّ من ملك الفرسَ، كما أن قيصر: لقب لكلِّ من ملك الروم. (فلما قرأه) في نسخة: "فلمَّا قرأ" بحذف الهاءِ، أي: قرأ الكتاب. (مزَّقه) أي: خرَّقه وفرَّقه. (فحسبت) أي: ظننت. (كلَّ ممزق) بفتح الزاي مصدر، كالتمزيق، أي: كلُّ نوعٍ من التمزيق.
ووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه - ﷺ - لم يقرأ على رسوله الكتاب، بل ناوله له، وأجاز له أن يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله.
٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ.
[٢٩٣٨، ٣١٠٦، ٥٨٧٠، ٥٨٧٠، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٥٨٧١، ٧١٦٢ - مسلم: ٢٠١٢ - فتح: ١/ ١٥٥]
(أبو الحسن) في نسخةٍ: "أبو الحسن المَرْوَزِيُّ". (أخبرنا عبدُ
_________________
(١) انظر: "معجم ما استعجم" ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخةٍ: "حدثنا عبد الله". (عن أنس بن مالك) وفي نسخةٍ: "عن أنس" بدون ابن مالك.
(كتب النبيُّ) أي: أمر بالكتابة، أو كتب بنفسه كما مرَّ. (كتابًا) أي: إلى العجم، أو إلى الروم، كما صرَّح بهما في كتاب: اللباس (١). (أو أراد أن يكتب) شكٌّ من أنس. (أنهم) أي: الروم، أو العجم على الروايتين. (لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا) أي: خوفًا من كشف أسرارهم.
(فاتخذ خاتمًا) بفتح التاءِ وكسرها، ويقال فيه: خاتام، وختَّام وختام، وختم. (في يده) أي: إصبع يده وهو: حال من المضافِ أو المضافِ إليه، (إلى بياضه في يده)، وفيه: قلب إذ الأصل أن الإصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبعِ.
وفي الحديثِ: ختم الكتاب، واتخاذ الخاتم من فضة للرجال، ونقشه، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله تعالى فيه، وجواز الكتابة، بل يُنْدَبُ ذلك كلُّه.