(باب: حلاوة الإيمان) مراده: أنها من ثمراته، وسقط من نسخة: (باب).
١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".
[٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١ - مسلم: ٤٣ - فتح: ١/ ٦٠]
(حدثنا محمد بن المُثَنَّى) بالمثلثة: ابن عبيد العَنَزِيُّ بفتح العين والنون وبالزاي؛ نسبة إلى عنزة بن أسد، حيٌّ من ربيعة. (عبد الوهاب)
_________________
(١) ولم نقف عليه عند ابن خزيمة وهو عند مسلم (٤٤) كتاب: الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (٦٦٣٢) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي - ﷺ -.
[ ١ / ١٥٢ ]
أي: ابن عبد المجيد بن الصلت. (الثقفيُّ) بالمثلثة، نسبة إلى ثقيف. (أيوب) أي: ابن أبي تميمة، واسمه: كيسان السَّختياني، بفتح المهملة؛ نسبة إلى بيع السَّختيان وهو: الجلد. (عن أبي قلابة) بكسر القاف، أي: عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك".
(ثلاث) مبتدأ سوغ الابتداء به -مع أنه نكرة- التنوين (١)؛ لأنه للتعظيم، كما في: شرَّ أهرَّ ذا ناب (٢)؛ أو لأنه عوض عن المضاف إليه أي: ثلاث خصالٍ، وخبره قوله: (من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) أي: نال حسنه باستلذاذ الطاعات عند قوة النفس بالإيمان، وانشراح الصدر له.
(أن يكون) بدل من ثلاث، أو خبر مبتدأ محذوف. (أحبَّ) لم يقل: أحبَّا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا استعمل بمن أُفرد دائمًا. (مما سواهما) عَبَّر بـ (ما) لا بـ (من) ليعمَّ العاقل وغيره (٣)، والمراد بهذا الحب، كما قال العلامة البيضاويُّ: العقليُّ وهو إيثار ما يقتضي العقل رُجْحَانَه ويستدعي اختيارَه وإن كانَ خلافَ هواه، ألا ترى أن المريض يعافُ الدواءَ وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختيارِه، ويهوى تناولَه
_________________
(١) لا يبتدأ بالنكرة إلا إن حصلت فائدة، والأفضل في (ثلاث) أنه ابتدئ به مع أنه نكرة لأنه عوض عن المضاف إليه، وهو الوجه الثاني الذي ذكره المصنف.
(٢) هذا مثل يُضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله. وأهرَّ: حمله على الهرير، وهو صوت دون النباح. وذو نابٍ: هو الكلب هنا. ومعناه: شيءٌ ما جعل الكلب يهرُّ، أي يصدر هذا الصوت الذي هو الهرير.
(٣) (ما) الموصولة تكون لما لا يعقل وحده، وتكون لما لا يعقل وما يعقل إذا اجتمعا، وأُريد بهما العموم ومنه قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾.
[ ١ / ١٥٣ ]
بمقتضى عقلِه؛ لما يعلمُ أن صلاحَه فيه، ولا يعارضُ تثنية الضمير هَنا قصةَ الخطيب، حيثُ قال: ومَنْ يَعْصِهِمَا فقد غوى، فقال - ﷺ -: "بئسَ الخطيبُ أنتَ" (١) فأمَرَهُ بالإفرادِ، لأنَّ المعتبر هنا المجموعُ المركبُ من المحبتين حتى لا تكفي إحداهما، وفي قصةِ الخطيبِ المعتبرُ كلٌّ منهما؛ إذ كل من العصيانين مستقلٌّ باستلزامِه الغوايةَ؛ ولأن القصد هنا ألا يجاوز، وثَمَّ الإيضاح ولهذا جاء في رواية أبي داود: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه" (٢)؛ لكونه في غير الخطبة.
(المرءَ) مفعول يحب. (لا يُحبُّهُ إلا لله) حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما.
(يعود في الكفر) أي: إليه، يجعل في بمعنى إلى أو بتضمين يعود معنى مستقر (٣).
وذكر الحلاوة مع أنها من صفات الطعم على التشبيه، ووجه الشبه: الاستلذاذ، وميل القلب إليه، ففي إضافتها إلى الإيمان استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان بما له حلاوة، كالعسل فذكر المشبه وأضاف إليه ما هو من خواصِّ المشبه به، وفي الحديث: إشارة إلى التحلي بأنواع الفضائل من التعظيم لأمر الله، بكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ثم الشفقة عى خلق الله بإخلاص محبته، ثم التخلِّي عن الرذائل بكراهة الكفر وهذا لازم للأوَّلِ، وإن اختلفا مفهومًا.
_________________
(١) مسلم (٨٧٠) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٢) أبو داود (١٠٩٧) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يخطب على قوس، و(٢١١٩) كتاب: النكاح، باب: في خطبة النكاح.
(٣) الأحسن أن يقول: معنى يستقر؛ لأن الفعل يضمَّن معنى الفعل.
[ ١ / ١٥٤ ]