٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا"، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا" فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ".
[١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ١/ ١٥٧]
(باب: قول النبيِّ - ﷺ -: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامعٍ) أي: أَفْهَم منهُ لما أقولُ، وفي رُبَّ: سبعونَ لغةً بينتها معَ زيادةٍ في: "شرحِ المنفرجةِ الكبير" وهي حرفٌ لا اسم، خلافًا للكوفيين، لكنها في الأصل للتقليل، وفي الاستعمالِ للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا.
ومن بخصائصها إذ لم تكفّ بما عن العمل إنها لا تدخل إلَّا على نكرة ظاهرة أو مضمرة، وأن الفعلَ الذي تسلط على مجرورها يجب تأخيره عنها؛ لأنها لإنشاء التكثير أو التقليل ولها صدر الكلام، وفعلها يجيء محذوفًا، وماضيًا في الأكثر، وهو هنا محذوف، كعلمت ولقيت .. ومبلغ بفتح اللام أي: مبلغ إليه، وهو على القول بأن رُبَّ اسم مجموعهما كلام إضافيٌّ مبتدأ وأوعى من سامعٍ خبره، وعلى القولِ بأنها حرفُ محل مبلغ رفعَ بالابتداء وأوعى صفة له والخبر الفعل المحذوف أما إذا ذكر الفعل: فقد يكون محل مجرور رب نصبًا على
[ ١ / ٢٧٢ ]
المفعولية نحو رب رجلٍ لقيت [وقد يكون محله رفعًا، أو نصبًا نحو: رب رجلٍ لقيته.
(ابن عون) اسمه: عبد الله بن أرطبان البصري] (١).
(ابن أبي بكرة) اسم أبي بكرة: نقيع بن الحارث. (قال) ساقط من نسخةٍ أي: قال أبو بكرة وقد (ذكر النبيُّ) ببنائه للفاعل وهو أبو بكرة وللمفعول وهو النبيُّ فهو منصوب: على الأول، ومرفوع: على الثاني، وقوله: (ذكر النبيّ) حال بقرينة رواية النسائي (٢)، وذكر بالواو.
وقوله: (قعد على بعيره) مقول القول وفي نسخة: "عن أبيه: أن النبيَّ - ﷺ - قعد على بعيره" وكان ذلك بمنى يوم النحرِ في حجَّةِ الوداعِ وإنما قعد على البعير لحاجته إلى إسماع الناس كلامه، فالنهيُ عن اتخاذ ظهور الدَّوَابِّ سائر، محمولٌ على: ماذا إذا لم تدعُ الحاجة إليه.
(وأمسك إنسانٌ بخطامه أو بزمامه) شكٌّ من أبي بكرةَ، والخطام بكسر الخاءِ المعجمة: الزمام، وهو الذي يشدُّ في البُرَة، ثمَّ يشدُّ في طرفه المقودُ، وقد يسمَّى المقودُ: زمامًا، وزممتُ البعير: خطمتُه. والبرى: بضم الموحدة وتخفيف الراءِ، حلقة من صفر تجعل في أَحَدِ جانبي المنخرين، والإنسان المُمْسِك، قيل: بلالٌ، وقيل: عمرو بن خارجة، وقيلَ: أبو بكرةَ، وفائدةُ الإمساكِ: صونُ البعيرِ عن الاضطرابِ والإزعاجِ لراكبهِ.
(فقالَ) في نسخةٍ: "قالَ". (سيسميه سوى اسمِه) فيه: إشارةٌ إلى
_________________
(١) من (م).
(٢) النسائي في "الكبرى" ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣) (٥٨٥١) كتاب: العلم، باب: ذكر قول النبي - ﷺ - رب مبلغ أوعى من سامع.
[ ١ / ٢٧٣ ]
تفويض الأمورِ إلى الشارعِ. (أليس يوم النحر؟) الاستفهام فيه وفيما بعده للتقرير، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. (قلنا بلى) في نسخةٍ: "فقلنا بلى" وبَلَى: حرف مختص بالنفي، ويفيد إبطاله.
(فقال: أليس بذي الحجة؟) بكسر الحاء وفتحها، وفي نسخة: "قال" بدل (فقال). (فإن دماءكم الخ) أي: انتهاكها؛ لأنَّ الذوات لا تحرم، والأعراض: جمع عرض بكسر العين: وهو موضع المدح والذمِّ من الإنسان وقيل: الحسب.
وفي هذا الحديث كما قال النوويُّ: استحباب ضرب الأمثالِ (١)، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا.
(ليبلغ) أمر، وكسرت الغينُ فيهِ لالتقاءِ الساكنين. (الشاهدُ) أي: الحاضرُ في المجلسِ، والمراد: تبليغ تحريم ما ذكر، أو جميع الأحكام. (من هو أوعى له منه) أي: من الشاهدِ، و(منه) صلة أفعل التفضيل، وفصل بينهما بـ (له)؛ لأنه يتوسعُ في الجارِّ والمجرور، كالظرفِ ما لا يتوسع في غيرهما، بل يجوز الفصلُ بينهما بغير ذلك أيضًا، إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجه، كقوله تعالى في قراءةِ ابن عامرٍ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ببناءِ زين للمفعول ورفع قتل ونصب أولادهم وجرِّ شركائهم، واستنبط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يؤخذ منه، وإن كان جاهلًا بمعناه.
_________________
(١) "صحيح مسلم بشرح النووي" ٨/ ١٨٢.
[ ١ / ٢٧٤ ]