وَالكُرْهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" وَتَلا الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
_________________
(١) سبق برقم (٣٣٥٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
[ ٨ / ٤٥٥ ]
[البقرة: ٢٨٦] " وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوسِ وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: "أَبِكَ جُنُونٌ" وَقَال عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَال حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إلا عَبِيدٌ لِأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ وَقَال عُثْمَانُ: "لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلاقٌ" وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَلاقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ" وَقَال عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: "لَا يَجُوزُ طَلاقُ المُوَسْوسِ" وَقَال عَطَاءٌ: "إِذَا بَدَا بِالطَّلاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ" وَقَال نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ فَقَال ابْنُ عُمَرَ: "إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ" وَقَال الزُّهْرِيُّ: "فِيمَنْ قَال: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلاثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَال وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ اليَمِينِ؟ فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ، جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ " وَقَال إِبْرَاهِيمُ: "إِنْ قَال: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، نِيَّتُهُ، وَطَلاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ " وَقَال قَتَادَةُ: "إِذَا قَال: إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثًا، يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ " وَقَال الحَسَنُ: "إِذَا قَال: الحَقِي بِأَهْلِكِ، نِيَّتُهُ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ" وَقَال الزُّهْرِيُّ: "إِنْ قَال: مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي، نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلاقًا فَهُوَ مَا نَوَى " وَقَال عَلِيٌّ: "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ " وَقَال عَلِيٌّ: "وَكُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ، إلا طَلاقَ المَعْتُوهِ".
[فتح ٩/ ٣٨٨].
[ ٨ / ٤٥٦ ]
(باب: الطّلاق في الإغلاق) أي: الإكراه، وقيل: الغضب. (والمكره) بضم الميم وفتح الراء عطف على (الطّلاق) بحذف مضاف أي، وحكم المكره وكذا يقال في قوله: (والسكران، والمجنون وأمرهما، والغلط، والنِّسيان). قوله: (في الطّلاق) تنازع فيه العاملان أو جميع العوامل قبله، لكن يلزم على الثّاني التكرار في المكره إن فسَّر الإغلاق بالإكراه. (والشرك) عطف على (الطّلاق) بحذف مضاف أيضًا. (وغيره) أي: غير الشرك كالخطأ وسبق اللسان والهزل. (لقول النَّبيّ) إلى آخره أشار به إلى أنّ حكم وقوع الطّلاق وغيره إنّما يتوجه إلى العاقل، المختار، العامد، الذاكر، والمكره غير مختار، والسكران، والمجنون غير عاقلين والغالط غير ذاكر والناسي غير عامد لكن ما ذكر في السكران إن كان متعديًا بسكره قولٌ، والصّحيح عند الشّافعيّة وقوع طلاقه؛ لعصيانه وإن كان غير مكلف بزوال عقله فجعل كأنه لم يزل ونفوذ طلاقه من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره (١). (وما لا يجوز من إقرار الموسوس) عطف على (الطّلاق) بحذف مضاف أيضًا (ثمل) أي: سكر. (إذا بدأ بالطلاق فله شرطه) أي: فله أن يشرط له شرطًا بعده كعكسه، فلا فرق بين تقدّم الشرط عليه وتأخره عنه، خلافًا لمن قال: إن تأخره لا يفيد شيئًا. (وقال نافع) أي: لابن عمر. (طلق رجل امرأته البتة) أي: بائنًا. (إن خرجت) أي: من الدَّار مثلًا، ما حكمه إِذًا؟ إذا (قال ابن عمر: إن خرجت فقد بتت منه) بضم الموحدة أي: قطعت عن الزوج فلا رجعة له فيها، وفي نسخة: "فقد بانت منه".
_________________
(١) انظر: "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" ٣/ ٢٨١.
[ ٨ / ٤٥٧ ]
(جعل في دينه وأمانته) أي: دين فيما بينه وبين الله تعالى.
(إبراهيم) أي: النخعي. (نيته) أي: تعتبر فيه؛ لأنه كناية. (وطلاق كلّ قوم بلسانهم) أي: جائز به. (يغشاها) جملة حالية. (الطّلاق عن وطر) أي: لا يبتغي وقوعه إلا عن وطر أي: حاجة كنشوز.
(والعتاق) بفتح العين. (ما أريد به وجه الله) أي: لا ينبغي وقوعه إلا إن أريد به وجه الله؛ ليثاب عليه.
(نيته) أي: تعتبر فيه؛ لأنه كناية. (وقال عليّ بن أبي طالب: ألم تعلم ) إلى آخره خاطب به عمر بن الخطاب حين أتي بمجنونة حبلها قد زنت فأراد أن يرجمها، وذكره بصيغة الجزم؛ لأنه حديثٌ ثابتٌ مرفوعٌ في أبي دواد وابن حبّان (١). (إلا طلاق المعتوه) أي: ناقص العقل وهو شامل للسكران، لكن قدمنا صحة طلاق السكران المتعدي لعصيانه.
٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" قَال قَتَادَةُ: "إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ".
[انظر: ٢٥٢٨ - مسلم: ١٢٧ - فتح ٩/ ٣٨٨].
(هشام) أي: الدستوائي. (قتادة) أي: ابن دعامة. (أنفسها) بالنصب على المفعولية، وبالرفع على الفاعلية.
٥٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤٤٠٢) كتاب: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا وابن حبّان ١/ ٣٥٦ (١٤٣) كتاب: الإيمان، باب: التكليف. وفيه أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "رفع القلم عن ثلاثة " ومنهم "عن المعتوه حتّى يبرأ". وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" دون قوله: لعلّ الّذي أتاها وهي في بلائها.
[ ٨ / ٤٥٨ ]
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَال: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَدَعَاهُ فَقَال: "هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ هَلْ أَحْصَنْتَ" قَال: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ.
[٥٢٧٢، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨ - مسلم: ١٦٩١ م- فتح ٩/ ٣٨٨].
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآخَرَ قَدْ زَنَى - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآخَرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَال لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَال: "هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ " قَال: لَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ" وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ.
[٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ٩/ ٣٨٩]
٥٢٧٢ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَال: "كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ".
[انظر: ٥٢٧٠ - مسلم: ١٦٩١ م- فتح ٩/ ٣٨٩]
(أصبغ) أي: ابن الفرج المصري. (ابن وهب) هو عبد الله. (أن رجلا من أسلم) هو ماعز بن مالك الأسلمي. (فلما أذلقته الحجارة) بذال معجمة أي: أصابته بعدها فعقرته. (جمز) بجيمٍ وزاي أي: أسرع هاربًا من القتل. (حتى أدرك) بالبناء للمفعول.