٨٩/ ٤ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِيَ النبيُّ ﷺ: «خُذِ الإدَاوَةَ». فَانْطَلَقَ حَتّى تَوَارَى عَنّي، فَقَضى حَاجَتَهُ. مُتّفَقٌ عَلَيهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، واللفظ المذكور طرف من حديث أخرجه في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة في الجبة الشامية» (٣٦٣)، وأخرجه مسلم (٢٧٤) (٧٧) من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة ﵁.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (حتى توارى عني) أي: استتر عني، إما بشجرة أو بأكمة، أو ببعده ونحو ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب البعد والتواري عن الناس عند إرادة قضاء الحاجة، لئلا تُرى عورته، أو يُسمع صوته، أو تُشم رائحته، وهذا إن كان في الصحراء، فإن كان في البنيان حصل المقصود بالبناء المعد لقضاء الحاجة، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٦٨ ]
بيان بعض الأماكن التي يُنهى عن التخلي فيها
٩٠/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتّقُوا اللاّعِنَيْنِ: الّذِي يَتَخَلّى في طَرِيق النّاس، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
٩١/ ٦ - زَادَ أَبُو دَاودَ، عَنْ مُعَاذٍ: (وَالمَوَارِدِ).
٩٢/ ٧ - وَلأحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ». وَفِيهمَا ضَعْفٌ.
٩٣/ ٨ - وَأَخْرَجَ الطّبَرَانِيُّ النّهْيَ عَنْ تَحْتِ الأشْجَارِ المُثْمِرَةِ، وَضَفّةِ النّهْرِ الجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد العقبة الثانية، وغزوة بدر وما بعدها، بعثه النبي ﷺ في اخر حياته إلى اليمن داعيًا ومعلمًا وقاضيًا، فَوَدّعَهُ ودعا له بقوله: «حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك، ودرأ عنك شرور الجن والإنس»، وعاد في خلافة أبي بكر ﵁، وولاه عمر ﵁ على الشام بعد أبي عبيدة ﵁، ثم مات من عامه في طاعون عمواس، سنة ثماني عشرة عن أربع وثلاثين سنة (^١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة» باب «النهي
_________________
(١) "الإصابة" (١٠/ ٢١٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
عن التخلي في الطرق والظلال» (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥) من طريق إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا، ولفظ (اللاعنين) الذي في «البلوغ» هو لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو: (اللعّانين) بصيغة المبالغة.
وأما حديث معاذ فقد أخرجه أبو داود (٢٦) من طريق أبي سعيد الحميري، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعن الثلاث: البَرَاز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل».
وهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ ﵁، قال في «التقريب»: (شامي مجهول من الثالثة، وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة). اهـ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، قاله ابن القطان، ونقله عنه الحافظ (^١).
والمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (الموارد) وإلا فباقيه صحيح - كما تقدم - في حديث أبي هريرة.
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٨) من طريق عبد الله ابن المبارك قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني ابن هبيرة، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث»، قيل: ما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد أحدكم في ظل يُستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء».
وهذا إسناد فيه ضعف، كما قال الحافظ؛ لإبهام الراوي عن ابن عباس، قال الهيثمي: (رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، ورجل لم يُسمّ) (^٢) وقد تقدم عند الحديث (٣١) أن رواية عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة أعدل من غيرها، كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم؛ لأنه سمع منه قديمًا، ومثله عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ، فهؤلاء العبادلة الثلاثة روايتهم
_________________
(١) "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٤١)، "التلخيص" (١/ ١١٥).
(٢) "مجمع الزوائد" (١/ ٢٠٤).
[ ١ / ٣٧٠ ]
عنه أمثل من غيرها؛ لأنهم سمعوا منه قبل احتراق كتبه، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي: (إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ..) وكذا قتيبة بن سعيد، كما ذكر الذهبي (^١)، وإلا فابن لهيعة ضعيف لسوء حفظه واحتراق كتبه، فحدث من حفظه فخلّط، وحديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن، أما المحققون فهم على تضعيفه مطلقًا، قبل احتراق كتبه وبعدها. وقد ذكرت هذا فيما مضى، والمقصود أن الحديث ضعيف بزيادة (أو نقع ماء) وإلا فباقيه صحيح، كما في حديث أبي هريرة ﵁.
وأما حديث ابن عمر فقد أخرجه الطبراني بتمامه في «الأوسط» (٣/ ١٩٩) من طريق الحكم بن مروان الكوفي، قال: حدثنا فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتخلى الرجل تحت شجرة مثمرة، ونهى أن يُتخلى على ضَفَّةِ نهر جارٍ.
وهذا إسناد ضعيف، قال الطبراني عقبه: (لم يروه عن ميمون إلا فرات بن السائب تفرد به الحَكَمُ)، وفرات هذا متروك الحديث، قاله البخاري وغيره (^٢).
فهذه الأحاديث - حديث معاذ وابن عباس وابن عمر ﵃ - كلها ضعيفة، لكن يشهد لها في المعنى حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، والقواعد الشرعية تؤيدها، وهو أن كل ما يؤذي المسلمين فهو حرام، وهو ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقوله ﷺ: «من اذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» (^٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (اتقوا اللاعنين) هذا لفظ أبي داود، وأما لفظ مسلم فهو (اللعّانين) كما تقدم، قال النووي: (والروايتان صحيحتان) (^٤)؛ أي: الأمرين
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ١٥).
(٢) "التلخيص" (١/ ١١٦).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (٣/ ١٧٩)، وحسنه المنذري في "الترغيب" (١/ ١٣٤)، والهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٠٤)، والألباني في "صحيح الترغيب" (١/ ١٣٥).
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٦٤).
[ ١ / ٣٧١ ]
الجالبين للعن، الحاملين الناسَ عليه، وذلك أن من فعلها لُعن وشُتم؛ لأن عادة الناس لعنه، فيكون من باب المجاز العقلي، لعلاقة السببية، وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون؛ أي: الملعون فاعلهما، وهذا من المجاز العقلي أيضًا.
وأما رواية مسلم (اتقوا اللعّانين) فهي مثنى صيغة المبالغة (لعّان) فمعناها - والله أعلم ـ: اتقوا فعل اللعانين؛ أي: صاحبي اللعن، وذلك من تسمية الشيء باسم سببه.
قوله: (طريق الناس) أي: يتغوط في موضع يمر به الناس، وهو على حذف مضاف؛ أي: تخلي الذي يتخلى في طريق الناس، ووجه النهي: لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره.
قوله: (أو في ظلهم) المراد به: مستظل الناس الذي اتخذوه مكانًا للمقيل والراحة، وإضافة الظل إليهم دليل على إرادة الظل المنتفع به الذي هو محل جلوسهم.
قوله: (البراز في الموارد) جمع مورد، وهو الموضع الذي يَرِدُهُ الناس من عين ماء أو غدير ونحوهما. والبراز: بفتح الباء على الأشهر، هو في الأصل الفضاء الواسع، ويكنى به عن الغائط.
قوله: (أو نقع ماء) أي: مجتمع الماء.
قوله: (تحت شجرة مثمرة) أي: سواء أكانت الثمرة مقصودة أم كانت ثمرة محترمة، فالمراد هي ما يقصدها الناس ولو كانت غير مطعومة كشجر القطن، فلا يجوز لأحد أن يتخلى تحتها؛ لأنها ربما سقطت الثمرة فتتلوث بالنجاسة، ولئلا يتلوث من أراد أن يجمع ثمر هذه الشجرة.
والمحترمة كثمرة النخل والتين ونحوهما؛ لأن هذا طعام محترم، فلا يجوز تلويثه بالنجاسة إذا سقطت، أو تلويث من أراد أن يجني ثمارها.
قوله: (على ضَفَّةِ نهر جار) ضفة: بفتح الضاد المعجمة وكسرها والمراد بها جانب النهر.
الوجه الرابع: دلت هذه الأحاديث على النهي عن التخلي في بعض
[ ١ / ٣٧٢ ]
الأماكن لما في ذلك من أذية الناس بالتنجيس والاستقذار والنتن، والتسبب في نشر الأمراض وهو مظهر سيئ، منافٍ لتعاليم الإسلام الداعية إلى النظافة، والذي تحصّل من هذه الأحاديث ستة مواضع:
وهي: طريق الناس، والظل، والموارد، ونقع الماء، والأشجار المثمرة، وجانب النهر.
١ - فينهى عن التخلي في طريق الناس، وقارعة الطريق، والمراد ما يطرقه الناس ويمشون فيه، أما الطريق المهجورة فيجوز التخلي فيها عند الحاجة.
٢ - وينهى عن التخلي فيما يستظل به الناس من شجرة أو جدار أو جبل ونحوها مما ينتفع به، ويلحق بالظل متشمس الناس في الشتاء، وكذا الأماكن التي يتردد إليها الناس، كالمنتزهات والحدائق، وأماكن الاستراحة التي قد توجد على بعض الطرق الطويلة، أما ما لا ينتفع به ولا يجلس فيه فيجوز التخلي فيه لقوله: «أو في ظلهم».
٣ - وينهى عن التخلي في موارد المياه التي يردها الناس للشرب، كالساقية والآبار، ويلحق بذلك محلات الوضوء التي لم تعدّ لقضاء الحاجة، كما في دورات المياه عند المساجد وغيرها مما يتأذى به الناس.
٤ - وينهى عن التخلي في نقع الماء، ويشمل ذلك ما إذا تخلى فيه أو حوله؛ لأنه إن تخلى فيه أفسده على غيره، وإن تخلى حوله قريبًا منه تأذى بذلك من يَرِدُ عليه.
٥ - وينهى عن التخلي تحت الأشجار المثمرة، لئلا تسقط الثمرة على ما خرج منه فتتنجس به، أو يتنجس من أراد أخذ ما فيها، فإن كانت غير مثمرة، أو مثمرة ولا يؤخذ ثمرها جاز التخلي تحتها إذا لم تكن ظلًا لمن يستظل بها.
٦ - وينهى عن التخلي على جوانب الأنهار وشواطئ البحار.
والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٧٣ ]