١٠٥/ ٢٠ - عَنْ عِيسى بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عيسى بن يزداد؛ قيل: بباء موحدة، وراء مهملة، ودالين مهملتين بينهما ألف، وقيل: بمثناة تحتية، وزاي معجمة، وبقيته كالأول، وقيل: ازداد؛ الفارسي اليماني، روى عن أبيه، وروى عنه زكريا بن إسحاق، قال البخاري: (لا يصح حديثه)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١).
وأما أبوه، فقال أبو حاتم: (لا صحبة له، وحديثه مرسل) (^٢)، وقال ابن حبان: (يقال: إن له صحبة) (^٣)، وممن نصّ على أنه لا صحبة له: البخاري، وأبو داود، وأبو حاتم - كما تقدم - وابنه عبد الرحمن، وابن عدي، وغيرهم، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير (^٤)، وقال ابن معين: (لا يعرف عيسى ولا أبوه).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه (٣٢٦)، وأحمد (٣١/ ٣٩٩) من طريق زمعة ابن صالح، عن عيسى بن يزداد اليماني، عن أبيه، وأخرجه أحمد (٣١/ ٤٠٠) - أيضًا - من طريق زكريا بن إسحاق، عن عيسى، به.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٨/ ٢١٢)، "الثقات" (٥/ ٢١٦).
(٢) "العلل" (١/ ٤٢)، "المراسيل" ص (٢٣٨).
(٣) "الثقات" (٣/ ٤٤٩).
(٤) "إرشاد الفقيه" (١/ ٥٤).
[ ١ / ٤١٤ ]
وهذا إسناد ضعيف، وليس له طريق مستقيم بإجماع أهل الحديث، لما تقدم، وأيضًا: زمعة بن صالح متكلم فيه، والأكثرون على تضعيفه، ضعفه أحمد وابن معين - في رواية - وأبو زرعة وابن حبان واخرون، قال النووي: (اتفقوا على أنه ضعيف) (^١).
وكما أنه ضعيف في سنده فهو ضعيف في متنه، فإن معناه غير صحيح؛ لأن نتر الذكر يسبب درّ البول وتتابعه، والإنسان بهذا الفعل يَجُرُّ على نفسه بلاءً بالسلس والوسوسة وطول بقائه على حاجته.
وأما قول الشارح المغربي وتبعه الصنعاني: إن حديث ابن عباس المتقدم في قصة صاحب القبرين شاهد لهذا الحديث (^٢) فليس بواضح؛ لأن حديث ابن عباس يدل على خطر وعظم التساهل بالبول وأن الواجب التنزه منه، والتنزه منه لا يلزم منه نتر الذكر، بل يكون في غسله وغسل ما أصاب البدن أو ما أصاب الثوب، والله أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فلينتر) من النتر بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم راء مهملة من باب «نصر»، قال في القاموس: (استنتر من بوله: اجتذبه واستخرج بقيته من الذكر عند الاستنجاء حريصًا عليه مهتمًا به) (^٣). وصفة ذلك أن ينفض ذكره لاستخراج ما بقي في القصبة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب النتر ثلاث مرات بعد البول لإخراج بقية البول من الذكر زيادة في الإنقاء، وهذا استحبه كثير من الفقهاء كالشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، إما استدلالًا بهذا الحديث، وإما تعويلًا على المعنى المذكور.
_________________
(١) "المجموع" (٢/ ٩١).
(٢) "البدر التمام" (٢/ ٩٣)، "سبل السلام" (١/ ١٥٨).
(٣) "القاموس" (٤/ ٣١٩).
(٤) "المجموع" (٢/ ٩٠).
(٥) "الإنصاف" (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٤١٥ ]
والصواب أن ذلك لا يستحب لعدم ثبوت الحديث، ولأن ذلك يحدث الوسواس - كما تقدم ـ، بل إذا انتهى البول غسل رأس الذكر، ومثل ذلك السّلْتُ الذي ذكره الفقهاء، وهو أن يمسح ذكره من أصله إلى رأسه ثلاث مرات، فهذا لم يصح فيه شيء، وربما سبب ضررًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (نتر الذكر بدعة على الصحيح … وكذلك سَلْتُ البول بدعة، لم يشرع ذلك رسول الله ﷺ، والحديث المروي في ذلك ضعيف لا أصل له، والبول يخرج بطبعه، وإذا فرغ انقطع بطبعه، وهو كما قيل: كالضرع إن تركته قرّ، وإن حلبته درّ) (^١).
وقال ابن القيم: (راجعت شيخنا - يعني ابن تيمية - في السلت والنتر فلم يره، وقال: لم يصح الحديث) (^٢).
فإن وجد من الناس من قد يخرج منه شيء بعد البول إذا لم يتحرك أو يمشي خطوات فهذا له حكم خاص، ولا ينبغي أن يجعل أمرًا عامًا لكل أحد، فهذا لا حرج عليه إذا تحرك أو مشى خطوات، بشرط أن يتيقن خروج شيء عن طريق التجربة، فإن كان مجرد وَهْمٍ أو وسواس فلا عبرة به، ولا ينبغي الالتفات إليه، قال النووي: (والمختار أن هذا يختلف باختلاف الناس، والمقصود أن يظن أنه لم يبق في مجرى البول شيء يخاف خروجه … وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسواس …) (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٠٦).
(٢) "إغاثة اللهفان" (١/ ٦٤).
(٣) "شرح المهذب" (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٤١٦ ]