٧٧/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵀ أَنّ في الْكِتَابِ الّذِي كَتَبهُ رَسُولُ الله ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: (أَلاَّ يَمَسَّ الْقُرْانَ إلاّ طَاهِرٌ). رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلًا، وَوَصَلَهُ النّسَائِيّ، وَابْنُ حِبّانَ، وَهُوَ مَعْلولٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، تابعي، ثقة عابد، روى له الجماعة، روى عن أبيه أبي بكر بن محمد وغيره، وروى عنه الزهري ومالك وهشام بن عروة وغيرهم، مات في سنة (١٣٥) وقيل: (١٣٠ هـ)، وقد وهم المغربي صاحب «البدر التمام شرح بلوغ المرام» (^١) فترجم لعبد الله بن أبي بكر الصديق ﵁، وتبعه على هذا الصنعاني (^٢) وهذا وهم فاحش، فإن عبد الله بن أبي بكر الصديق ليس من رواة هذا الحديث؛ لأنه صحابي، مات في خلافة أبيه، كما في «الإصابة» (^٣)، فالصواب الأول، لأنه جاء في «الموطأ»: (حدثني يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن في الكتاب …) إلخ (^٤).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ١٩٩) مرسلًا (^٥) كما تقدم .. مقتصرًا
_________________
(١) "البدر التمام" (١/ ٤٨).
(٢) "سبل السلام" (١/ ١٣١).
(٣) "الإصابة" (٦/ ٢٦).
(٤) "الموطأ" (١/ ١٩٩).
(٥) المرسل: ما رواه التابعي عن النبي -ﷺ-، ورواية مالك هنا مرسلة؛ لأن راوي الكتاب هو عبد الله بن أبي بكر، وهو تابعي، كما تقدم في ترجمته.
[ ١ / ٣٣١ ]
على هذه الجملة المذكورة، وأخرجه النسائي (٨/ ٥٧) مختصرًا موصولًا (^١) من طريق الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده .. لكن بدون هذه الجملة المذكورة هنا، وأخرجه ابن حبان (١٤/ ٥٠١) أيضًا مطولًا، وفيه هذه الجملة.
وهذا الإسناد ظاهره السلامة من العلة، فرجاله جميعًا ثقات، فمن أخذه على ظاهره صحح الحديث (^٢) كابن حبان (^٣) والحاكم، وابن عدي، وقوي عندهم بالمرسل الذي رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وكذا ما رواه معمر عن عبد الله بن أبي بكر أيضًا، وللحديث طريق ثالث عن الحكم بن موسى، نا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، وهو ضعيف.
ولكن الحديث معلول، كما ذكر الحافظ، فقد ذكر بعض أهل العلم أن في الحديث علة خفية قادحة، وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في هذا الحديث، وقال: سليمان بن داود، والصواب سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وقد حكى ذلك غير واحد من الأئمة، وسليمان بن داود هذا هو الخولاني، وثقه ابن حبان، وقال في صحيحه: (ثقة مأمون) ومن أجل ذلك أدخل حديثه في الصحيح، ونقل البيهقي أنه أثنى على سليمان بن داود الخولاني أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، والدارمي، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقة موصول الإسناد حسنًا (^٤).
لكن هذا مبني على أن الحكم بن موسى قد أتقن الحديث، وإلا فلا يصح إلا مرسلًا، كما تقدم.
قال صالح جَزَرة: حدثنا دحيم، قال: نظرت في أصل كتاب يحيى
_________________
(١) الموصول: ما اتصل إسناده مرفوعًا كان، أو موقوفًا على من كان، والمراد بذلك ما سمعه كل راوٍ من شيخه في سياق الإسناد من أوله إلى منتهاه.
(٢) "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٦٦).
(٣) انظر: "المجروحين" (١/ ٤٢١).
(٤) "السنن الكبرى" (٤/ ٩٠).
[ ١ / ٣٣٢ ]
حديثَ عمرو بن حزم في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: فكتبت هذا الكلام عن مسلم بن الحجاج.
وقال أبو داود: (هذا وهم من الحكم، ورواه محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري) (^١).
وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن بصدقات الغنم، قلت له: مَنْ سليمان هذا؟ قال أبي: من الناس من يقول: سليمان بن أرقم، قال أبي: وقد كان قَدِمَ يحيى بن حمزة العراق، فيرون أن الأرقم لقب، وأن الاسم: داود، ومنهم من يقول: سليمان بن داود الدمشقي شيخ ليحيى بن حمزة، لا بأس به، فلا أدري أيهما هو، وما أظن أنه هذا الدمشقي، ويقال: إنهم أصابوا هذا الحديث بالعراق من حديث سليمان بن أرقم) (^٢).
وقال أبو زرعة الدمشقي: (الصواب: سليمان بن أرقم).
وقال الحافظ ابن منده: (رأيت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه: عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وهو الصواب) (^٣).
ولما ذكر النسائي الحديث من طريق سليمان بن داود أتبعه بذكر الحديث من طريق سليمان بن أرقم، ثم قال: (وهذا أشبه بالصواب، والله أعلم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث) (^٤).
وقد أثنى العلماء على كتاب عمرو بن حزم. فقد قال ابن معين: (حديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب لهم كتابًا، فقال له رجل: هذا مسند؟ قال: لا، ولكنه صالح) (^٥).
وقال ابن عبد البر: (وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٦٦).
(٢) "العلل" (١/ ٢٢٢).
(٣) "الميزان" (٢/ ٢٠١).
(٤) "سنن النسائي" (٨/ ٥٩).
(٥) "تاريخ يحيى بن معين" (١/ ١١٣).
[ ١ / ٣٣٣ ]
عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة) (^١).
وقال أيضًا: (كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه فمتفق عليه إلا قليلًا) (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الكتاب ذِكْرُ هذا فيه - أي أن العمرة هي الحج الأصغر - مشهور مستفيض عند أهل العلم، وهو عند كثير منهم أبلغ من خبر الواحد العدل المتصل، وهو صحيح بإجماعهم) (^٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لعمرو بن حزم) هو عمرو بن حزم بن زيد الخزرجي الأنصاري، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله الرسول ﷺ على أهل نجران، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القران، ويأخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر، وكتب له كتابًا في السنن والصدقات والفرائض والديات، وهو كتاب طويل، أخرجه بطوله الحاكم (^٤) والبيهقي (^٥) وغيرهما، روى عن النبي ﷺ، وكان من المُقلِّين (^٦).
قوله: (ألاَّ يمس) تقدم أن المس معناه: الإفضاء إلى الشيء باليد من غير حائل.
قوله: (القران) المراد به نفس الحروف المكتوبة دون البياض الذي في الجوانب، ويراد به المصحف، فيشمل الحروف والحواشي، سمي بذلك لكتابته في الصحف، وإنما ذُكر المعنى الأول؛ لأنه وقت هذا الحديث لم يكن مصحفًا.
قوله: (إلا طاهر) هذا اللفظ من المشترك في اللغة العربية، له عدة معان:
_________________
(١) "التمهيد" (١٧/ ٣٣٨).
(٢) "التمهيد" (١٧/ ٣٣٩).
(٣) "شرح العمدة"، كتاب "المناسك" (١/ ١٠١).
(٤) "المستدرك" (١/ ٣٩٧).
(٥) "السنن الكبرى" (٤/ ٨٩ - ٩٠).
(٦) "الاستيعاب" (٨/ ٢٩٩)، "الإصابة" (٧/ ٩٩).
[ ١ / ٣٣٤ ]
١ - الطهارة المعنوية، وهي الطهارة من الشرك؛ أي: لا يمس القران إلا مؤمن، أما الكافر فليس بطاهر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
٢ - الطهارة الحسية وهي الطهارة من الخبث والنجاسة، ومن ذلك قوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس) أي: بل هي طاهرة.
٣ - الطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر، وهي الوضوء أو الغسل ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (^١).
والاشتراك خلاف الأصل؛ لأن الأصل استعمال اللفظ في الدلالة على معنى واحد، لا إبهام فيه ولا غموض، لكن إذا وجد الاشتراك فإن المجتهد يبحث عن قرينة تصرف اللفظ عن معانيه المشتركة إلى معنى واحد منها، وقد تكون القرينة لفظية مثل: فجرنا عيون الأرض، وقد تكون مستمدة من عمومات الشريعة، ومراعاة حكمة التشريع، ومقاصد الشرع.
والأظهر - والله أعلم - أنه لا مانع من حمل هذا اللفظ على المتوضئ، لما يلي:
١ - لأنه كثر في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ.
٢ - ولأن الصحابة ﵃ فهموا ذلك وأفتوا بأنه لا يُمَسُّ القران إلا على طهارة.
٣ - ولأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر لأن وصفه بالإيمان أبلغ.
٤ - أنه ورد في بعض الروايات: «لا يمس القران إلا على طهر» (^٢). وفي حديث حكيم بن حزام: «لا تمس القران إلا وأنت طاهر». وفي إسناده ضعف، لكن يفيد ترجيح المعنى المذكور.
قوله: (وهو معلول) الحديث المعلول: ما فيه علة خفية قادحة في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، كالإرسال الخفي.
_________________
(١) تقدم تخريجه في أول باب "الوضوء".
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٤٢).
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقد انتقد بعض العلماء كابن الصلاح هذا التعبير، وقال: (إنه مرذول عند أهل النحو واللغة، وأن الصواب أن يقال: المُعَلّ).
والصواب جوازه، وأنه من عَلّ الثلاثي، قال الجوهري وغيره: (عُلَّ الشيء فهو معلول) (^١)، وقد ذكر السخاوي أنه وقع هذا اللفظ في كلام البخاري والترمذي وخلق من أئمة الحديث قديمًا وحديثًا، وكذا الأصوليين في باب «القياس» حيث قالوا: العلة والمعلول، وقد استعمله الزجاج اللغوي، وذكر ابن القوطية في كتابه «الأفعال» أنه ثلاثي، قال: (عُلّ علة: مَرِضَ، وعُلّ الشيء: أصابته العلة) (^٢)، وإذا كان ثلاثيًا فاسم المفعول منه معلول، وعليه فلا مانع منه، لوقوعه في عبارات أهل هذا الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ.
الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم مس المصحف إلا على طهارة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومنهم الأئمة الأربعة، قال في «المغني»: (ولا نعلم لهم مخالفًا إلا داود) (^٣)، لقوله: (ألاَّ يمس القران إلا طاهر)، ولأحاديث أخرى جاءت في الباب يشد بعضها بعضًا.
ومن ذلك ما رواه سليمان بن موسى قال: سمعت سالمًا يحدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يمس القران إلا طاهر» (^٤).
وكذلك ما رواه عبد الله بن يزيد قال: كنا مع سلمان فخرج يقضي
_________________
(١) "الصحاح" (٥/ ١٧٧٤).
(٢) "الأفعال" ص (١٨٧).
(٣) "المغني" (١/ ٢٠٢)، وانظر: "المحلى" (١/ ٨١).
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ٣١٣)، و"الصغير" (٢/ ١٣٩)، والبيهقي (١/ ٨٨)، من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، نا أبو عاصم، أنبأنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٤٠): (وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به)، وقد أعل الحديث بما لا يوهنه.
[ ١ / ٣٣٦ ]
حاجته ثم جاء، فقلت: يا أبا عبد الله لو توضأت، لعلنا نسألك عن ايات، قال: إني لست أمسه، إنما «لا يمسه إلا المطهرون» فقرأ علينا ما شئنا (^١).
وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: (كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مَسِسْتَ ذكرك؟ قال: قلت: نعم، فقال: قم فتوضأ، فقمت، فتوضأت، ثم رجعت) (^٢).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تحريم مس المصحف للمحدث ثابت عن الصحابة، وقال: (إنه قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف) (^٣).
ومن أدلة تحريم مس المصحف على المحدث قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ *فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ *تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]، قالوا: لأن في الآية قرينة دالة على ذلك وهي: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والمنزل هو القران، ومعنى ﴿مَكْنُونٌ﴾: محفوظ عن التبديل والتغيير، وممن ذكر هذا الدليل ابن قدامة (^٤) والنووي (^٥) وابن القيم (^٦).
والظاهر أن الاستدلال بالآية على ذلك لا يتم؛ لأن المراد بالكتاب في هذه الآية - والله أعلم - الكتاب الذي بأيدي الملائكة، قال الشوكاني بعد أن ذكر الاستدلال بالآية: (وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعًا إلى القران،
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٤)، والبيهقي (١/ ٨٨)، والحاكم (٢/ ٤٧٧) وقال: (صحيح على شرط الشيخين)، وصححه الدارقطني، وجوده الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٩٩) ونقل تصحيح الدارقطني له، كما نقله ابن حجر في "الدراية" (١/ ٨٨).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٤٢)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٨٨، ١٣١)، وابن أبي داود في "المصاحف" (٢١١) واسناده صحيح، وله طرق كثيرة ذكرها ابن أبي داود في "المصاحف"، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١١٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٩).
(٣) "الفتاوى" (٢١/ ٢٦٦، ٢٧٠، ٢٨٨).
(٤) "المغني" (١/ ٢٠٢).
(٥) "المجموع" (٢/ ٧٢).
(٦) "إعلام الموقعين" (١/ ٢٢٥).
[ ١ / ٣٣٧ ]
والظاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة) (^١).
وقال أبو بكر الجصاص بعد ذكر المسألة: (إنْ حُمِلَ اللفظ على حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد: القران الذي عند الله، والمطهرون: الملائكة، وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عمومًا فينا، وهذا أولى، لما روي عن النبي ﷺ في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم «ولا يمس القران إلا طاهر»، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيها احتمال له) (^٢).
وقد رجح العلامة ابن القيم أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وذلك من عشرة أوجه، ومنها: أن الله قال: ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ولم يقل: إلا المتطهرون، ولو أراد به منع المحدث من مسه لقال: إلا المتطهرون، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وفي الحديث «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»، فالمتطهر: فاعل التطهير، والمُطَهّر: الذي طهره غيره، فالمتوضئ: متطهر، والملائكة: مطهرون (^٣).
وقال الإمام مالك: (أحسن ما سمعت في هذه الآية: إنما هي بمنزلة هذه الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، قول الله ﵎: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ *بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (^٤) [عبس: ١١ - ١٦].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث من باب التنبيه والإشارة، وهو أنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القران لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، ذكر ذلك ابن القيم (^٥) ونقل هذا المعنى ابن سعدي، وضمنه تفسير الآية (^٦).
_________________
(١) "نيل الأوطار" (١/ ٢٤٤).
(٢) "أحكام القرآن" (٥/ ٣٠٠).
(٣) "التبيان" ص (١٦٥).
(٤) "الموطأ" (١/ ١٩٩).
(٥) "التبيان " ص (١٦٨).
(٦) "تفسير ابن سعدي" ص (٨٣٦).
[ ١ / ٣٣٨ ]
الوجه الخامس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه يحرم مس المصحف سواء مس نفس الكتابة أم الجوانب أم الجلد، قال النووي: (هذا هو المذهب المختار) (^١)، وذلك لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "التبيان في آداب حملة القرآن" ص (١٢٤)، وانظر: "المجموع" (٢/ ٦٧).
[ ١ / ٣٣٩ ]