٢/ ٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». أَخْرَجَهُ الثلَاثَةُ، وَصَحَّحَه أَحْمَدُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق سنة خمس، وكان قبلها صغيرًا، حفظ عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، فكان من علماء الأنصار وفضلائهم، توفي سنة (٧٤ هـ)، ودفن في البقيع، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٦٦) في كتاب «الطهارة» باب «ما جاء في بئر بضاعة»، والترمذي (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وأحمد (١٧/ ١٩٠) من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد ﵁ أنه قيل لرسول الله ﷺ: (أنتوضأ من بئرِ بُضاعة - وهي بئر يُطرح فيها الحِيَضُ ولحوم الكلاب والنَّتَنُ ـ؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء»).
والحديث صحيح بطرقه وشواهده عند أحمد وغيره، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، قال عنه ابن منده: مجهول، وذكره ابن حبان في
_________________
(١) "الاستيعاب" (١١/ ٢٨٣)، "الإصابة" (١١/ ١٦٥).
[ ١ / ٢٩ ]
«الثقات» (^١)، وقال الحافظ في «التقريب»: مستور، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وأبو أسامة: هو حماد بن أسامة، والوليد بن كثير: هو المخزومي، ومحمد بن كعب: هو القرظي.
وقول المصنف: (وصححه أحمد) نقله المزي عن الإمام أحمد (^٢)، وزاد الحافظ أنه صححه - أيضًا - يحيى بن سعيد، وأبو محمد بن حزم (^٣)، قال الترمذي: (قد جَوَّدَ أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد) (^٤)، وعليه فالحديث صحيح، ولا يضر إعلاله بجهالة أحد رواته، لما تقدم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنتوضأ) بالنون، وقد رجح النووي أنه بالتاء، وقال عن الرواية بالنون: (إنها غلط فاحش؛ لأنه جاء التصريح بأنه ﷺ توضأ منها من طرق كثيرة) (^٥)، لكن نقل صاحب «المنهل العذب المورود» (^٦) أن العراقي رد على النووي ما قاله؛ وعليه فالحديث وارد باللفظين.
قوله: (بئر بُضاعة) بضم الباء، ويجوز كسرها، و(الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء، الخرق التي يُمسح بها دم الحيض.
ولا ينبغي أن يظن أنّ الصحابة ﵃ وهم أطهر الناس وأنزههم أنهم كانوا يفعلون ذلك عمدًا مع عزة الماء في بلادهم، وإنما كان ذلك لأن هذه البئر كانت في الأرض المنخفضة، وكانت السيول تحمل الأقذار من الطرق وتلقيها فيها، وقيل: كانت الريح تلقي ذلك، ويجوز أن السيل والريح تلقيان جميعًا، أفاده الخطابي (^٧) وغيره.
_________________
(١) "الثقات" (٥/ ٧١).
(٢) "تهذيب الكمال" (١٩/ ٨٤).
(٣) "المحلى" (١/ ١٥٥)، "التلخيص" (١/ ١٢٤).
(٤) "جامع الترمذي" (١/ ٩٦).
(٥) "المجموع" (١/ ٨٣).
(٦) "المنهل العذب المورود" (١/ ٢٣٣).
(٧) انظر: "معالم السنن" (١/ ٧٣).
[ ١ / ٣٠ ]
قوله: (الماء طهور) أل: للاستغراق على الأظهر؛ أي: كل ماء فهو طهور.
قوله: (لا ينجسه شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، وظاهره أن الماء لا ينجس بوقوع شيء فيه سواء أكان قليلًا أم كثيرًا ولو تغيرت أوصافه، لكنه لم يبق على عمومه، قال النووي: (واعلم أن حديث بئر بضاعة عام مخصوص، خُصَّ منه المتغير بنجاسة، فإنه نجس للإجماع، وخص منه - أيضًا - ما دون قلتين إذا لاقته نجاسة، فالمراد الماء الكثير الذي لم تغيره نجاسة لا ينجسه شيء، وهذه كانت صفة بئر بضاعة، والله أعلم) (^١).
الوجه الرابع: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأنه دل على أن الماء طهور لا ينجسه شيء، كماء البحار والأنهار والآبار والأمطار، وهذا هو الأصل في الماء أنه طهور حتى تعلم نجاسته، كما سيأتي - إن شاء الله - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقال ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه»، وتقدم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٨٥).
[ ١ / ٣١ ]