٤٥/ ١٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث ساقه الحافظ بلفظ يختلف عما عزاه إليه من كتب السنة، وذلك أن الحديث باللفظ المذكور لابن ماجه فقط (٤٠٢) وأما الباقون فلفظهم يختلف، فأبو داود أخرجه في «كتاب اللباس» (٤١٤١) ولفظه: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم». وكذا أخرجه ابن خزيمة بهذا اللفظ في «أبواب الوضوء وسننه» (١/ ٩٠)، والترمذي أخرجه في «اللباس» أيضًا (١٧٦٦) ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه)، وكذا أخرجه النسائي في الكبرى (٥/ ٤٨٢) بهذا اللفظ، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ وقد رواه عن الأعمش زهير بن معاوية وشعبة.
وبهذا يتضح أن الحديث ورد بصيغة الأمر عند أبي داود وابن ماجه وابن خزيمة فهو من السنة القولية، وورد بصيغة الإخبار عن فعل الرسول ﷺ عند الترمذي والنسائي، فهو من السنة الفعلية.
وعلى هذا فنسبة الحديث باللفظ المذكور إلى الأربعة وابن خزيمة ليست جيدة؛ ولذا فإن المزي لم يَعْزُ الحديث إلى الترمذي والنسائي (^١)، وكذا قال ابن الملقن: (إن الترمذي لم يروه بالكلية بل ذاك حديث اخر) (^٢).
_________________
(١) "تحفة الأشراف" (٩/ ٣٥٣).
(٢) "البدر المنير" (٣/ ٤١٩).
[ ١ / ٢٠٤ ]
والحديث إسناده صحيح، صححه ابن خزيمة، كما ذكر الحافظ، ونقل الزيلعي عن ابن دقيق العيد أنه قال في «الإمام»: (هو جدير بأن يصحح) (^١) وصححه أيضًا ابن الملقن (^٢)، وقال النووي: (هذا حديث حسن، وإسناد جيد) (^٣).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا توضأتم) أي: شرعتم في الوضوء، فيدخل في ذلك ما في بداية الوضوء، كغسل الكفين فيبدأ باليمنى قبل اليسرى، وما في أثناء الوضوء من غسل اليدين والرجلين، لكن تقدم في كلام النووي أن غسل الكفين يكون دفعة واحدة.
قوله: (بميامنكم) جمع ميمنة، والمراد: اليمين، والميمنة ضد الميسرة، قال تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ *وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٨، ٩].
الوجه الثالث: مناسبة ذكر هذا الحديث بعد حديث عائشة المتقدم أنه يدل على البدء باليمين في الوضوء بصيغة الأمر، فهو من السنة القولية، وما تقدم من قبيل السنة الفعلية، لكنه قدم حديث عائشة ﵂، لكونه أصلًا في التيمن على سبيل العموم، ولأنه أقوى من حديث أبي هريرة ﵁. وظاهر هذا الحديث وجوب البداءة باليمين قبل اليسار في غسل اليدين والرجلين، ويؤيد ذلك أن الأصل في الأمر الوجوب، ولأن الرسول ﷺ واظب على البدء باليمين في غسل يديه ورجليه، كما في حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي، وغيرهم، ﵃، وقوله وفعله ﷺ يفسر قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
وقد اختار القول بالوجوب الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونسبه الرازي إلى أحمد (^٤)، قال الزركشي: (وهو منكر) (^٥)، ونقله الرافعي من
_________________
(١) "نصب الراية" (١/ ٣٤).
(٢) "البدر المنير" (٣/ ٤١٨).
(٣) "المجموع" (١/ ٣٨٢).
(٤) "تفسير الرازي" (١١/ ١٥٩).
(٥) "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (١/ ١٧٨).
[ ١ / ٢٠٥ ]
الشافعية عن أحمد أيضًا (^١)، ولم أقف على ذلك فيما اطلعت عليه من كتب الحنابلة، لا سيما «المغني» و«الإنصاف»، بل قال ابن قدامة: (ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى، لا نعلم فيه خلافًا ..) (^٢).
وعلى هذا فالجمهور من أهل العلم على أن البداءة باليمين مستحبة، وقد بوّب ابن خزيمة (^٣) على هذا الحديث بقوله: (باب الأمر بالتيامن في الوضوء أمر استحباب لا أمر إيجاب)، والأمر في هذا الحديث مصروف عن ظاهره وهو الوجوب إلى الندب، والصارف له الآية الكريمة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فإن الله تعالى أمر بغسل الأيدي والأرجل، ولم يذكر فيه تقديم اليمنى، وذلك يدل على أن الواجب غسل اليدين والرجلين بأي صفة كان.
والفقهاء يعدون اليدين عضوًا، والرجلين عضوًا، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد.
ومما صرف الحديث - أيضًا - ما تقدم عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن .. الحديث، فهذا يدل على أن تقديم اليمنى في الطهارة إنما هو على سبيل الحب لذلك والسرور به، لا على سبيل الإيجاب والإلزام، ولو كان ذلك على سبيل الحتم لبيَّنته ﵂؛ لأنها فقيهة عالمة بهدي النبي ﷺ، وذكر التنعل والترجل مع الطهور دليل على أن الأمر موسع فيه.
وقد مضى أن الإجماع قد انعقد على أن البدء باليمين إنما هو على سبيل الندب، كما نقله النووي وابن قدامة، والله أعلم.
_________________
(١) "شرح الوجيز" (١/ ٤٢١).
(٢) "المغني" (١/ ١٩٠).
(٣) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٩١).
[ ١ / ٢٠٦ ]