١٤/ ١٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ: «وَإنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري (٣٣٢٠) في كتاب «بدء الخلق» بابٌ «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه»، وفي كتاب «الطب» بابٌ «إذا وقع الذباب في الإناء» (٥٧٨٢) من طريق عتبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
واللفظ الثاني أخرجه أبو داود (٣٨٤٤) ولفظه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله) وإسناده حسن، وورد - أيضًا - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أخرجه أحمد (١٨/ ١٨٦)، وابن ماجه (٣٥٠٤) وإسناده صحيح لغيره، ومن حديث أنس بن مالك ﵁ أخرجه البزار (١/ ٦١٥ مختصر زوائده)، ورجاله رجال الصحيح. وهذا الحديث قد ورد من طرق كثيرة تزيد على خمسين طريقًا، جمعها بعض الباحثين (^١) وهي كافية لمن أراد معرفة الحق من أصحاب الفطر السليمة، والعقول المستنيرة.
_________________
(١) انظر: "الإصابة في صحة حديث الذبابة"، للدكتور: خليل إبراهيم ملا خاطر.
[ ١ / ٧١ ]
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا وقع الذباب) هو بضم المعجمة، مفرد، وجمعه أذِبَّة وذِبَّان، كغراب وأغربة وغربان (^١).
قال الدَّميري: (الذباب عند العرب يطلق على الزنابير والنحل والبعوض بأنواعه، كالبق، والبراغيث والقمل والصُّؤاب والناموس والفَرَاش، والنمل، والذباب المعروف عند الإطلاق العرفي) (^٢)، ولعل الأخير هو المراد بهذا الحديث، وسمي ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه.
قوله: (في شراب أحدكم) هذا لفظ البخاري في كتاب «بدء الخلق» ولفظه في «الطب» «في إناء أحدكم»، وفي حديث أبي سعيد - كما تقدم ـ: «إذا وقع في الطعام» والتعبير بالإناء أشمل (^٣)، لكن يظهر أن الحافظ اختار رواية (شراب) لمناسبتها لباب المياه، والله أعلم.
قوله: (فليغمسه) أي: في الطعام أو الشراب، كما في حديث أبي سعيد - المتقدم - ولفظه: «إن أحد جناحي الذباب سُمٌّ، والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه، فإنه يقدم السم، ويؤخر الشفاء».
والأمر بغمسه ليخرج الشفاء كما خرج الداء، فأمر النبي ﷺ أن تقابل تلك المادة السُّمِّية بما أودعه الله فيه من الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله، فتقابل المادةَ السميةَ المادةُ النافعةُ فيزول ضررها - بإذن الله تعالى - وهذا نصَّ عليه حذاق الأطباء قديمًا، كما ذكر ابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهما، وأثبت ذلك الاكتشافات العلمية الحديثة - كما سيأتي إن شاء الله ـ.
وهذا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، وفي رواية للبخاري في «الطب» «فليغمسه كلَّه» وذلك لدفع توهم المجاز في الاكتفاء بغمس بعضه.
قوله: (فإن في أحد جناحيه داء ..) تعليل للأمر بغمسه، وفي حديث
_________________
(١) "الصحاح" (١/ ١٢٦).
(٢) "حياة الحيوان الكبرى" (١/ ٣٥٢).
(٣) "فتح الباري" (١٠/ ٢٥٠).
[ ١ / ٧٢ ]
أبي سعيد - المتقدم ـ: «فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» ويستفاد من حديث أبي سعيد تفسير الداء الواقع في حديث الباب وأن المراد به السم، قال الحافظ: (ولم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة) (^١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على طهارة الذباب، وأنه لا ينجس ما وقع فيه من طعام أو شراب أو ماء ولا يفسده؛ لأن الرسول ﷺ أمر بغمسه ولم يأمر بإراقة ما وقع فيه.
الوجه الرابع: في الحديث الأمر بغمس الذباب كله فيما وقع فيه من طعام أو شراب ثم نزعه، والانتفاع بما وقع فيه، وذلك للعلة وهي قوله: «فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء»، وقد يكون الطعام حارًا، ومعلوم أنه يموت إذا غمس فيه، فلو كان ينجسه لكان أمرًا بإفساد الطعام، وهو ﷺ إنما أمر بإصلاحه، لكن هذا الأمر ليس للوجوب، وإنما هو لإرشاد من أراد أن يأكل أو يشرب مما وقعت فيه الذبابة أن يغمسه فيه، أما الذي لا يريد الأكل أو الشرب بأن تعافه نفسه فلم يتطرق إليه الحديث.
الوجه الخامس: يقاس على الذباب كل ما أشبهه مما لا نفس له سائلة - أي ما لا دم له يسيل - وليس متولدًا من النجاسات، كالزنبور والعنكبوت والخنفساء والجعلان والنحل والبق والبعوض ونحو ذلك، فإذا وقع في طعام أو شراب لم يُحَرِّمْهُ ولم ينجسه، لهذا الحديث، والحكم يعم بعموم علته وينتفي لانتفاء سببه، ولما كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس؛ لانتفاء علته.
قال ابن المنذر: (قال عوام أهل العلم: لا يفسد الماء بموت الذباب
_________________
(١) "فتح الباري" (١٠/ ٢٥١).
[ ١ / ٧٣ ]
والخنفساء ونحوهما، قال: ولا أعلم فيه خلافًا إلا أحد قولي الشافعي) (^١)، قال النووي بعد نقل كلام ابن المنذر: (والصحيح في الجميع الطهارة للحديث، ولعموم البلوى وعسر الاحتراز) (^٢).
الوجه السادس: هذا الحديث يدل على سبق الإسلام للعلم الحديث في بيان ضرر الذباب، وأنه يحمل الأمراض والجراثيم، كما يدل على طريقة التخلص من ضرر الذباب إذا وقع في الطعام والشراب، وهذه الطريقة جاء في الاكتشافات ما يوافقها ويؤيدها، وذلك بإثبات أن الذباب يحمل المكروبات، ويحمل معها مكروبات قاتلة لهذه المكروبات، تسمى (بكتريوفاج) يعني: اكل البكتيريا، تظهر بكثرة على جناح الذبابة مع قليل من البكتيريا، وعند غمس الذبابة فإننا نساعد على ترك أكبر كمية من المادة القاتلة لمكروب المرض، وأثبت الاكتشاف العلمي أن الذباب إذا وقع في الطعام أو في الشراب ثم طار فإن الجراثيم التي يخلفها بعده تتزايد وتتكاثر، فإذا غُمس فإن الجراثيم التي يخلفها بعده في الطعام أو الشراب لا تبقى كما خلفها فحسب، بل تبدأ بالانحسار والتناقص، فالحمد لله على كمال هذه الشريعة وسموِّ تعاليمها، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) "الأوسط" (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٢) "المجموع" (١/ ١٢٩ - ١٣١).
(٣) انظر: "الإصابة في صحة حديث الذبابة" ص (١٦١).
[ ١ / ٧٤ ]