٧٨/ ١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَعَلّقَهُ الْبُخَارِيّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها» (٣٧٣) من طريق خالد بن سلمة، عن البهي، وهو عبد الله بن بشار، عن عروة، عن عائشة ﵂، هكذا موصولًا.
وعلقه البخاري في موضعين في كتاب «الحيض» باب «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف» (١/ ٤٠٧ فتح)، وفي كتاب «الأذان» باب «هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا» (٢/ ١١٤ فتح)، وستتضح مناسبة إيراده في هذين البابين إن شاء الله تعالى.
والمعلَّق: ما حذف من إسناده راوٍ واحدٌ ولو إلى اخر الإسناد، قاله الحافظ (^١).
وللتعليق أسباب تراجع في مظانها (^٢)، وتعليقات البخاري كثيرة، بخلاف ما في صحيح مسلم فهي قليلة جدًا، كما قاله ابن الصلاح (^٣)، وحكم التعليقات أن ما كان منها بصيغة الجزم مثل: قال رسول الله ﷺ كذا، قال فلان، أو روى فلان أو ذكر فلان، فإنه يحتج بها، كما قرره أهل العلم؛ لأنه
_________________
(١) "هدي الساري" ص (١٧).
(٢) المصدر السابق.
(٣) "علوم الحديث" ص (٢٤).
[ ١ / ٣٤٠ ]
قد حكم بصحته عمن علقه عنه، وهو لا يستجيز إطلاق ذلك إلا إذا صح عنده ذلك عنه، أما ما لم يكن بصيغة الجزم مثل: رُوي عن رسول الله ﷺ كذا، أو رُوي عن فلان كذا فهذا لا يحكم بصحته، لكن إيراده له في صحيحه مشعر بصحة أصله، فيستأنس به ويركن إليه.
وهذا الحديث من المعلقات التي لم توجد موصولة في موضع اخر عند البخاري، وقد ذكر الحافظ في المقدمة (^١): أنه علق هذا الحديث لكونه لا يلتحق بشرطه، مع أنه صحيح على شرط غيره، وذلك من أسباب التعليق عند البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، ما لم يوجد قرينة، وقد تقدم ذلك.
قوله: (يذكر الله) المراد بذكر الله: كل ما يذكّر بالله تعالى، من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القران، فالذكر أعم من أن يكون بالقران أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف.
قوله: (على كل أحيانه) (على) للظرفية بمعنى (في) (^٢) أي: في كل أوقاته، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] على أحد القولين، والأحيان: جمع (حين) وهو الزمان قلّ أو كثر، وهذا من العام الذي أريد به الخاص أي: معظم أحيانه، كما سيأتي.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن ذكر الله تعالى لا تشترط له الطهارة، بل يجوز ذكر الله تعالى على كل حال من الأحوال؛ لأن عموم
_________________
(١) "هدي الساري" ص (١٧).
(٢) بناءً على القول بأن الحروف يقوم بعضها مقام بعض، وهي مسألة خلافية، محلها كتب النحو، باب "حروف الجر".
[ ١ / ٣٤١ ]
الأحيان يستلزم عموم الأحوال، سواء أكان طاهرًا أم محدثًا أم جنبًا، وذلك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القران ونحو ذلك من الأذكار.
وهذا غرض المصنف من إيراد الحديث في هذا الباب، وهو بيان أن نواقض الوضوء غير مانعة من ذكر الله تعالى، فإن الحدث الأصغر من جملة الأحيان المذكورة.
وقد أخبر ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما قام الليل قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة ال عمران قبل أن يتوضأ (^١)، وبوّب عليه البخاري بقوله: (باب قراءة القران بعد الحدث وغيره) (^٢).
الوجه الرابع: ليس هذا الحديث على عمومه، بل خصص منه ما يلي:
١ - تلاوة القران حال الجنابة، لحديث علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القران ما لم يكن جنبًا، وسيأتي إن شاء الله، قال الحافظ ابن رجب: (فيه دليل على أن الذكر لا يمنع منه حدث ولا جنابة، وليس فيه دليل على جواز قراءة القران للجنب؛ لأن ذكر الله تعالى إذا أطلق لا يراد به القران) (^٣) وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب «الغسل» إن شاء الله.
٢ - الذكر حال البول والغائط والجماع، فإنها من جملة الأحيان المذكورة مع أنه يكره الذكر باللسان في هذه الأحوال، كما نص عليه النووي وغيره (^٤)، وعلى هذا فيكون المراد بكل أحيانه: معظمها، كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود، ونحو ذلك.
وهذا إن حمل الذكر في الحديث على الذكر باللسان، فإن حمل على الذكر بالقلب بقي العموم على حاله، فلا يستثنى منه شيء؛ لأنه ﷺ كان دائم التفكر لا يفتر عن الذكر القلبي لا في يقظة ولا نوم.
_________________
(١) تقدم تخريجه في آخر الكلام على حديث (٦٧).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٨٦).
(٣) "شرح البخاري" (٢/ ٤٥).
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٤/ ٣٠٨).
[ ١ / ٣٤٢ ]
الوجه الخامس: ورد عن المهاجر بن منقذ ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: «إني كرهت أن أذكر الله - تعالى ذكره - إلا على طُهْرٍ»، أو قال: «على طهارة») (^١).
فهذا الحديث دل على كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، وعلى أنه ينبغي لمن سُلّم عليه في حال قضاء الحاجة ألاَّ يرد السلام، بل ينتظر حتى يقضي حاجته، ثم إذا أراد الرد فالأفضل أن يؤخره حتى يتطهر.
وعن ابن عمر ﵄ أن رجلًا مَرَّ ورسول الله ﷺ يبول فسلم فلم يرد عليه (^٢).
وعن أبي الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري قال: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جَمَل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يردّ رسول الله ﷺ عليه حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇ (^٣).
وهذه الأحاديث تدل على أن ذكر الله تعالى على طهارة أفضل، وعموم حديث الباب يدل على جواز ذلك بلا طهارة. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٧)، والنسائي (١/ ٣٦)، وابن ماجه (٣٥٠) وهو حديث صحيح، له طرق وشواهد، ذكرها الحافظ في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٠٥).
(٢) أخرجه مسلم (٣٧٠).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩).
[ ١ / ٣٤٣ ]