١٣/ ١٣ - عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا المَيْتَتانِ: فَالْجَرَادُ والْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالطِّحالُ وَالْكَبِدُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (١٠/ ١٥)، وابن ماجه (٣٢١٨، ٣٣١٤) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا.
وهذا إسناد ضعيف - كما قال الحافظ - لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عبد الله بن أحمد: (سمعت أبي يضعف عبد الرحمن، وقال: روى حديثًا منكرًا: «أحلت لنا ميتتان ودمان»)، وضعفه ابن المديني جدًا، وكذا ضعفه النسائي وأبو زرعة وغيرهم، وقال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه، هو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس الحديث) (^١)، وقد رواه الدارقطني (^٢) والبيهقي (١/ ٢٥٤) من رواية سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر موقوفًا، قال البيهقي: (وهذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند)، وكذا صحح الوقف أبو زرعة
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٦/ ١٦١)، والأحلاس: جمع حِلْسٍ، وهو كل ما ولي ظهر الدابة تحت الرحل، وبساط يوضع تحت كريم المتاع، ويقال: هو حلس بيته: لا يبرحه، وهو من أحلاس البلاد: لا يفارقها. انظر: "المعجم الوسيط" ص (١٩٢).
(٢) "شرح عمدة الأحكام" لابن الملقن (٢/ ١٥٩)، وانظر: "التعليق المغني" (٤/ ٢٧٢).
[ ١ / ٦٨ ]
وأبو حاتم، وهذا الموقوف له حكم الرفع، كما ذكر البيهقي، وقال ابن القيم: (هذا حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أُحل لنا كذا، وحُرِّم علينا، ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه) (^١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الجراد) بفتح الجيم، معروف، والواحدة جرادة، الذكر والأنثى سواء، كالحمامة، قالوا: مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل على شيء إلا جرده.
قوله: (والحوت) هو السمك، وقيل: ما عَظُمَ منه، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ [الصافات: ١٤٢] والجمع حيتان.
الوجه الثالث: الحديث دليل على تحريم الميتة، واستثني منها الجراد والسمك، فكل منهما حلال، وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس: (صيده: ما صيد فيه، وطعامه: ما قَذَفَ) (^٢)، فميتة البحر حلال مطلقًا، سواء مات بنفسه وطفا على وجه الماء بأن صار بطنه من فوق، أم مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو غيره؛ لعموم الأدلة، وتخصيص النص العام لا بد له من دليل من كتاب أو سنة يدل على التخصيص.
وقد ورد في حديث جابر ﵁ قال: (غزونا جيش الخَبَطِ وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمرَّ الراكب تحته، قال: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: «كلوا، رزقًا أخرجه الله ﷿ لكم، أطعمونا إن كان معكم»، فأتاه بعضهم بشيء فأكله) (^٣).
ففي هذا الحديث دليل على إباحة ميتة البحر، وطلب النبي ﷺ من لحمه
_________________
(١) "زاد المعاد" (٣/ ٣٩٢).
(٢) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٦١).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٦٢)، ومسلم (١٩٣٥).
[ ١ / ٦٩ ]
وأكله ذلك أراد به المبالغة في تطييب نفوسهم في حلّه، وأنه لا شك في إباحته وأنه يرتضيه لنفسه.
وكذلك يحل أكل الجراد مطلقًا، سواء مات باصطياد أم بذكاة أم مات حتف أنفه، لعموم هذا الحديث.
ويستثنى من ذلك ما مات من الجراد بسبب المبيدات السامة فهذا يحرم، لما فيه من السم القاتل المحرم، وكذا ما مات من الحوت بسبب ما يسمى بتلوث البحار بمواد سامة، فيحرم لا لذاته، وإنما لما وجد فيه من مواد مضرة أو قاتلة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على إباحة أكل الكبد والطحال، وأنهما مستثنيان من تحريم الدم، وهذا بإجماع أهل العلم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن السمك والجراد إذا ماتا في ماء فإنه لا ينجس، سواء أكان الماء قليلًا أم كثيرًا، ولو تغير طعمه أو لونه أو ريحه؛ لأنه لم يتغير بنجاسة، وإنما تغير بشيء طاهر، وهذا هو وجه سياق هذا الحديث في باب المياه، كما تقدم في موضوع الحديث، والله أعلم.
[ ١ / ٧٠ ]