٣١/ ٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيك الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضعِيفٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه (٣٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها» من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ …، وقد جاء هذا الحديث في السنن التي رواها عن أبي داود ابن الأعرابي، وأما رواية اللؤلؤي فليس فيها؛ ولذا لم يذكره المنذري في «مختصره».
وأخرجه أحمد (١٤/ ٣٧١، ٥٠٣، ٥٠٤) بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٠٨) من طريق عبد الله بن وهب وعثمان بن صالح، كلاهما عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد.
والحديث ضعفه المصنف، والظاهر أن ذلك من أجل ابن لهيعة، فقد ضعفه المحققون من أهل العلم، أمثال أبي حاتم ويحيى بن سعيد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. قال ابن معين: (كان ضعيفًا لا يحتج بحديثه)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقد ساء حفظه بعد احتراق كتبه، لكن روايته إذا حدَّث عنه أحد العبادلة الثلاثة: (عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ) أمثل من غيرها على قول جماعة من الحفاظ، وهذا الحديث من رواية قتيبة بن سعيد، وهو لم يكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب عبد الله بن وهب، ثم يسمعه من ابن لهيعة، وابن وهب إنما سمع من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، قال أبو داود: (سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة
[ ١ / ١٣٣ ]
إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب ابن وهب إلا حديث الأعرج) (^١)، وقد ورد من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة - كما عند البيهقي ـ، فلعله بذلك يقوى (^٢)، على رأي من يقبل رواية القدماء عنه، أما من يرى تضعيفه مطلقًا فإنه يرى أن رواية العبادلة عنه وإن كانت أمثل لكن هذا لا يقتضي قوته والاحتجاج به، ولابن حبان كلام نفيس في حال ابن لهيعة، حيث يقول ما خلاصته: وجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه (^٣).
وأما نسبة الحديث إلى الترمذي فهي وهم من الحافظ ﵀ ولهذا عزاه المزي إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي (^٤)، وأخرجه ابن الملقن ولم يذكر الترمذي (^٥)، وكذا فعل الحافظ نفسه في «فتح الباري» و«التلخيص» (^٦)، فإنه عزاه إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قالت خولة) هي بنت يسار، كما عند أبي داود وغيره، وقد ورد الحديث عند الطبراني وسماها خولة بنت حكيم الأنصارية (^٧) لكنه ضعيف؛ لأنه من رواية الوازع بن نافع، وهو منكر الحديث متروك.
قوله: (ولا يضرك أثره) أي: بقية لون الدم بعد الغسل.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يعفى عما بقي من أثر لون دم الحيض بعد الاجتهاد في الغسل، لقوله: «ولا يضرك أثره» ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لأنه من المعلوم أن الغسل قد لا يُذْهِبُ اللون، ثم إن مجرد اللون ليس خبثًا، وإنما الخبث هو عين النجاسة وقد زالت، فيبقى اللون لا أثر له، لكن لا بد من الاجتهاد في إزالة اللون، وهذا
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٥/ ٣٢٩).
(٢) انظر: "الإرواء" (١/ ١٨٩).
(٣) انظر: "المجروحين" (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦).
(٤) "تحفة الأشراف" (١٠/ ٣٩٥).
(٥) "البدر المنير" (١/ ٥٩).
(٦) "فتح الباري" (١/ ٣٣٤)، "التلخيص" (١/ ٤٨).
(٧) "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢٤١).
[ ١ / ١٣٤ ]
غرض المصنف من إيراد حديث أبي هريرة ﵁ بعد حديث أسماء ﵂؛ لأن الدم مستقذر، وربما نسبها من راه على ثوبها إلى التقصير في إزالته.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه يكفي الماء في إزالة دم الحيض، ولا يجب استعمال شيء اخر من الحوادِّ كحجر أو عود ونحوهما، لقوله: «الماء يكفيك».
لكن ورد في حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «حكيه … واغسليه بماء وسدر» (^١).
فأمرها بغسل دم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد، فيقيد به ما أُطلق في غيره، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض، ويحمل قوله: «ولا يضرك أثره» أي: بعد استعمال الحاد.
الوجه الخامس: اعلم أنه قد تبين من مسألة العفو في باب «النجاسات» أن الشريعة قصدت بذلك التخفيف عن المكلفين ورفع الحرج، إما لعموم البلوى، كما في الدم والقيح الحاصل بسبب البثرات والدمامل، أو أثر الاستجمار بعد استيفاء شروطه، وإما لدفع مشقة الاحتراز كما هو الحال في أصحاب الحدث الدائم، كمن به سلس بول، والمستحاضة ونَحوهما، وكذا بلل الباسور والناسور (^٢)، وإما لعسر إزالتها، كلون النجاسة وريحها بعد التطهير إذا عسر زوالهما، وإما لكونها يسيرة كالنجاسة التي ينقلها ذباب إلى ثوب آدمي أو بدنه، وكالبول بمقدار رأس الإبرة يقع على الثوب، وقد تتداخل بعض هذه الحِكَمِ فتختصر (^٣).
وينبغي أن يُعلم أن هذه الحكم ضوابط لما يعفى عنه من النجاسات، فتبقى مهمة طالب العلم في تحقيق المناط، وهو هل هذه النجاسة داخلة في عفو الشارع عنها لدخولها تحت أحد هذه الضوابط أو لا؟ والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٣)، والنسائي (١/ ١٥٤)، وابن ماجه (٦٢٨)، قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (١/ ٢٨١): (إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة).
(٢) هما داءان في المقعدة.
(٣) انظر: "أحكام النجاسات" (٢/ ٥٤٧).
[ ١ / ١٣٥ ]