٩٤/ ٩ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا تَغَوّطَ الرّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَحَدّثَا. فَإنّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذلِكَ». رَوَاهُ وَصَحّحَهُ ابْنُ السّكَنِ، وَابْنُ الْقَطّانِ، وَهُوَ مَعْلولٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث اختلفت فيه نسخ «البلوغ» ففي بعضها: رواه أحمد، وفي بعضها: رواه … بدون ذكر من أخرجه، وهو كذلك في نسخة البلوغ التي عليها شرح المغربي «البدر التمام» ولم يتكلم عليه، بل أورد حديث أبي سعيد. والظاهر أن المراد: رواه ابن السكن، وصححه ابن القطان، وهذا هو المثبت في «الإلمام» لابن دقيق العيد، كما سيأتي إن شاء الله.
أما الصنعاني فقد تكلم في «السبل» عن علة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه أبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره.
وهذا الحديث معلول بثلاث علل:
الأولى: اضطراب رواية عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، كما قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري والنسائي وأبو حاتم وغيرهم (^١).
_________________
(١) انظر: "تهذيب التهذيب" (٧/ ٢٣٢).
[ ١ / ٣٧٤ ]
ومن اضطرابه في هذا الحديث أنه رواه عن يحيى، عن هلال - كما هنا - ورواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلى غير ذلك من وجوه الاضطراب التي ذكرها الدارقطني (^١).
قال أبو داود بعد سياق الحديث: (هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار) يريد بذلك أن الحديث ضعيف، لانفراد عكرمة بإسناده، ولم يعتبر ابن القطان هذا علة، وتبعه الشوكاني قائلًا: (إذ لا وجه للتضعيف بهذا، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد البخاري بحديثه عن يحيى أيضًا) (^٢).
على أن انفراد عكرمة بإسناده غير مسلّم، فقد تابعه على ذلك أبان بن يزيد كما ذكر ابن دقيق العيد (^٣)، وتابعه أيضًا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا.
العلة الثانية: جهالة هلال بن عياض، قال في «التقريب»: (مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه) ورجح أن اسمه عياض بن هلال، وكذا ذكر البخاري وابن أبي حاتم والخطيب وغيرهم.
وقد نصّ ابن القطان في مواضع من كتابه «بيان الوهم والإيهام» على أن هذه هي العلة الكبرى في الحديث (^٤).
العلة الثالثة: الاضطراب في متنه، ففي بعضها المقت على التكشف والتحدث، وفي بعضها لم يذكر التحدث، وفي بعضها لم يذكر التكشف، ذكر ذلك ابن القطان (^٥).
وقد ذكر ابن دقيق العيد حديث جابر ﵁ وقال: (أخرجه الحافظ أبو علي بن السكن وصححه الحافظ أبو الحسن القطان) (^٦)، وهذا الحديث علقه الدارقطني في «العلل»، ثم رجعت إلى كتاب ابن القطان، فإذا هو قد ساق الحديث بإسناده، فقال: (قال أبو علي بن السكن: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، حدثنا
_________________
(١) "العلل" (١١/ ٢٩٦).
(٢) "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ١٤٣ - ١٤٤)، "نيل الأوطار" (١/ ٩٢).
(٣) "الإمام" (٢/ ٣٤٨).
(٤) "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٥٨).
(٥) المصدر السابق (٥/ ٢٥٩).
(٦) "الإلمام" ص (٤٣).
[ ١ / ٣٧٥ ]
مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله .. فذكره).
ثم تكلم ابن القطان عن إسناد هذا الحديث وحكم بصحته، ثم قال:
(الحسن بن أحمد: صدوق لا بأس به.
مسكين بن بكير: لا بأس به، قاله ابن معين.
محمد بن عبد الرحمن: ثقة، وقد صح سماعه من جابر.
وسائر مَنْ في الإسناد لا يُسأل عنه).
وقد نقل الحافظ ابن كثير تصحيح ابن القطان (^١)، وعلى هذا فما في البلوغ صحيح ولا سقط فيه، وزيادة (أحمد) في بعض النسخ لا تصح؛ لأن الحديث لا وجود له في المسند من حديث جابر ﵁، بل هو من حديث أبي سعيد، وبهذا يتفق ما في «البلوغ» مع ما في «الإلمام» مع ما في كتاب ابن القطان.
لكن يظهر أن مجيء الحديث من هذا الوجه هو من أوجه الاختلاف في الإسناد، وقد ذكر هذا الدارقطني.
وأما قوله: (وهو معلول) فهذا ينطبق على حديث أبي سعيد كما تقدم، وينطبق على حديث جابر - أيضًا - من جهة الاختلاف فيه على راويه يحيى بن أبي كثير، كما ذكر ذلك الدارقطني، والحافظ في «إتحاف المهرة» (^٢).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا تغوط) مشتق من (الغائط) وهو الخارج المستقذر من الإنسان، وأصله المكان المطمئن من الأرض، وإطلاقه على الخارج من باب كراهية تسمية الشيء باسمه الخاص؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة.
قوله: (الرجلان) تخصيص الرجل بالذكر لا مفهوم له، لكن باعتبار الغالب، وإلا فالمرأتان، والمرأة والرجل أقبح من ذلك.
قوله: (فليتوار) يقال: توارى بمعنى استخفى واستتر، والمعنى ليستتر
_________________
(١) "إرشاد الفقيه" (١/ ٥٤).
(٢) (٣/ ٣٢٥).
[ ١ / ٣٧٦ ]
كل واحد عن صاحبه. و(يتوار) مضارع مجزوم بـ «لام» الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة.
قوله: (ولا يتحدثا) لا: ناهية، وجُزِمَ المضارع بعدها بحذف النون.
قوله: (يمقت) مضارع مَقَتَ يَمْقُتُ مقتًا من باب (قتل) يقال: مَقَتَهُ؛ أي: أَبْغَضَهُ أشد البغض عن أمر قبيح.
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب تستر الإنسان وعدم تحدثه مع شخص اخر حال قضاء الحاجة؛ لأن التحدث حال قضاء الحاجة فيه دناءة وقلة حياء، والله تعالى يمقت على ذلك، وهو سبحانه لا يمقت إلا على الأفعال السيئة، وظاهر ذلك التحريم، ولكن حمله الجمهور على الكراهة، ولعل الصارف له عن التحريم ما تقدم عن ابن مفلح ﵀ عند الحديث (٧٦) من أن النهي إذا ورد في حديث متكلم فيه فإنه يحمل على الكراهة، والقول بالتحريم هو اختيار الشوكاني (^١)، لأن ظاهر الحديث أن ذلك من الكبائر.
وقد ذكر ابن مفلح (^٢) أنهم صرحوا بالكراهة، وأنه لم يجد أحدًا منهم ذكر التحريم مع أن دليلهم يقتضيه، وعن الإمام أحمد ما يدل عليه، قال صالح: سألت أبي عن الكلام في الخلاء، قال: يكره، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أحمد عن الكلام في الخلاء قال: لا ينبغي له أن يتكلم. وهذه الصيغة للتحريم (^٣).
إن حالة قضاء الحاجة حالة سكون وانكسار بين يدي الله تعالى، واعتراف بضعف ابن ادم، وحالة تفكير بنعم الله تعالى على العبد، حيث يسر له قضاء حاجته بعدما يسر له الأكل والشرب والانتفاع بما أعطاه الله من النعم، لا حالة مؤانسة ومحادثة.
لكن إن وجد حاجة للكلام فلا بأس، بل قد يكون واجبًا، كإرشاد أعمى يخشى ترديه في حفرة، أو رؤية نحو عقرب أو حية تقصد إنسانًا، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف … أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "نيل الأوطار" (١/ ٩٢).
(٢) "النكت على المحرر" (١/ ٨).
(٣) انظر: "صفة الفتوى" لابن حمدان ص (٩٠).
[ ١ / ٣٧٧ ]