ذكر الحافظ هذا الباب بعد باب «الوضوء» للمناسبة بينهما، لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء.
والمسح: إمرار اليد على الخفين مبلولة بالماء، والمراد بالخفين: ما يلبس على القدم من الجلد ساترًا لها، جاء في «المعجم الوسيط» (^١): (الخف: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق). والخف يجمع على خِفَافٍ، وأما خف البعير فيجمع على أخفاف (^٢)، وتقاس عليها الجوارب وهي ما تكون من غير جلد كالخرق وشبهها، وهي الشرَّاب، أو تلحق بها عن طريق العموم اللفظي، كما في حديث ثوبان ﵁ الآتي: (أمرهم أن يمسحوا على التساخين)، وهي تعم كل ما يسخن القدم، وسيأتي لذلك مزيد عند الكلام على حديث ثوبان، إن شاء الله.
والمسح على الخفين ثابت في القران والسنة المتواترة عن رسول الله ﷺ، وقد أجمع عليه المسلمون، خلا الشيعة، ولا يعتد بهم.
أما القران فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر في قوله: «وأرجلِكم» وهي قراءة سبعية، فتكون معطوفة على
_________________
(١) = لما مع الرافع من زيادة العلم، وعلى تقدير العمل بالطريقة الأخرى فهذا مما لا مجال للرأي للرأي فيه فله حكم الرفع). اهـ كلام الحافظ ﵀. وهو كلام مفيد حقق فيه المسألة، ورجح فيه صحة الحديث، فإن كان مرفوعًا فذاك، وإن كان موقوفًا -وهو الأرجح- فله حكم الرفع؛ لأنه ذكر مخصوص بعد عبادة مخصوصة، وإخبار عن أمر غيبي، فلا يمكن للصحابي أن يقوله دون أصل من هدي النبي -ﷺ-، والله أعلم.
(٢) (١/ ٢٧٤).
(٣) "المصباح المنير" ص (١٧٦).
[ ١ / ٢٤٥ ]
قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لأنها أقرب إلى الأرجل من الوجوه، والعطف على الأقرب معروف في لغة العرب، والمراد بذلك المسح على الخفين على أحد الأوجه التي قيلت في قراءة الجر؛ لأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يمسح رجليه بدون أن يكون عليهما خف، بل كان يغسلهما، فتعين حملها على مسح الخفين، كما بينته السنة، وبذلك يتم ثبوت المسح بالقران، وهو أحسن الوجوه التي توجه بها قراءة الجر، كما قال الصنعاني (^١).
وأما السنة فقد ثبت جواز المسح على الخفين عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا، حضرًا وسفرًا، وبلغت الأحاديث في ذلك حد التواتر، فقد نقل ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: (حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين) (^٢)، وذكر أبو القاسم بن منده في «تذكرته» من رواه فبلغ ثمانين (^٣)، وكذا ذكرهم ابن الملقن وبلَّغهم ثمانين (^٤)، ومن هؤلاء الرواةِ العشرةُ المبشرون بالجنة، ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك أنه قال: (ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز) (^٥)، ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله: (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثًا عن أصحاب رسول الله ﷺ، ما رفعوا إلى النبي، وما وقفوا) (^٦).
والمسح على الخفين من الرخص الدالة على كمال الدين الإسلامي ويسر تشريعاته، وبُعدها عن الحرج، فإن الإنسان يحتاج للمسح على الخفين، لا سيما في فصل الشتاء، وفي البلاد الباردة.
واعلم أن بعض العلماء قد ذكر موضوع المسح على الخفين في كتب العقائد مثل الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀ في «العقيدة الطحاوية»، مع أن المسح على الخفين من المسائل العملية، وليس من المسائل العلمية، وذلك لأمرين:
_________________
(١) "سبل السلام" (١/ ١٠٦).
(٢) "الأوسط" (١/ ٤٣٠).
(٣) "التلخيص" (١/ ١٦٧).
(٤) "شرح العمدة" لابن الملقن (١/ ٦١٥).
(٥) "الأوسط" (١/ ٤٣٤).
(٦) "المغني" (١/ ٣٦٠).
[ ١ / ٢٤٦ ]
١ - بيان معتقد أهل السنة والجماعة، والرد على من خالف في ذلك من طوائف أهل البدع؛ كالشيعة والخوارج، فصار المسح شعارًا لأهل السنة، وعدم المسح شعارًا لغيرهم من أهل البدع (^١).
٢ - بيان أن أحاديث المسح بلغت حد التواتر الذي لا ينكره إلا معاند مكابر.
وهؤلاء المخالفون يحتجون بأن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نص على مباشرة الرجلين بالماء، قالوا: وأحاديث المسح منسوخة باية المائدة، وهذا غير صحيح؛ لأن المسح ثابت في غزوة تبوك سنة تسع، واية المائدة نزلت في غزوة المريسيع وهي سنة ست، فهي قبل تبوك اتفاقًا، ولو سُلّمَ تأخر اية المائدة فلا منافاة بينها وبين أحاديث المسح، فإن الأمر بالغسل متوجه إلى من لا خف له، والرخصة في المسح إنما هي للابس الخف، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "التمهيد" (١١/ ١٣٤).
[ ١ / ٢٤٧ ]