الوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضأ به، على المشهور، كالسَّحور، فإن أريد الفعل ضم الحرف الأول.
والوضوء لغة: النظافة والإنارة، قال الشاعر:
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم … دُجَى الليل حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثَاقِبُهُ
أي: أنارت لهم.
سمي الوضوء بذلك لتحسينه فاعله في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بإزالة الأوساخ والأقذار، وفي الآخرة: بالنور الذي يحصل منه، كما في قوله ﷺ: «تدعون يوم القيامة غرًا محجلين من اثار الوضوء». أخرجه البخاري، ومسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والوضوء شرعًا: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، وهذا من باب التغليب؛ لأن الرأس يمسح.
ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن المصنف لما ذكر الماء الذي يُتطهر به، وما يؤثر عليه من النجاسات وما لا يؤثر به، وذكر انيته التي يحفظ فيها، شرع في بيان المقصود مما تقدم وهو الوضوء، فما مضى في الأحاديث السابقة وسائل يتوصل بها إلى عبادة الوضوء المذكورة في الباب.
والوضوء من أعظم شروط الصلاة، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (^١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة بغير
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥) واللفظ للبخاري.
[ ١ / ١٣٦ ]
طهور» (^١)، وكان الأولى بالمصنف أن يورد هذين الحديثين في أوائل باب الوضوء، أو في باب «شروط الصلاة» كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، لبيان أن الوضوء شرط لصحة الصلاة (^٢).
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان …»، وفي لفظ: «الوضوء شطر الإيمان»، وفي لفظ آخر: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان» (^٣)، وقد رجح النووي أن المراد بالإيمان: الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، والطهور شرط لصحتها، فصار كالشطر، ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا، والله أعلم (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٤).
(٢) انظر: "الإلمام" ص (٨٧)، و"المحرر" (١/ ١٥٠).
(٣) أخرجه مسلم بتمامه (٢٢٣)، واللفظ المذكور للترمذي (٣٥١٧)، والثاني لابن ماجه (٢٨٠).
(٤) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ١٠٢)، وانظر كلام ابن رجب عليه في: "جامع العلوم والحكم"، حديث (٢٣).
[ ١ / ١٣٧ ]