٩٦/ ١١ - عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظمٍ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ، أصله من فارس، سافر لطلب الدين فتنصر، وقرأ الكتب، ووقع في يد قوم من العرب، فباعوه من يهود، وقصة إسلامه أخرجها أحمد في «مسنده» بطولها (^١) وذكرها ابن سعد (^٢). وقد روي من وجوه كثيرة أن النبي ﷺ اشتراه على العتق، أسلم لما قدم المدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، ولم يتخلف بعد ذلك عن أيّ مشهد مع رسول الله ﷺ، وكان خيّرًا فاضلًا حبرًا عالمًا زاهدًا، وذُكر أنه كان من المعمّرين، لكن ردَّ الذهبي هذا، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه.
وقد أخرج الطبراني (^٣) والحاكم (^٤) عن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده أنه لما أشار سلمان بحفر الخندق احتج المهاجرون والأنصار في سلمان ﵁، وكان رجلًا قويًا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت
_________________
(١) "المسند" (٣٩/ ١٣٩ - ١٤٧).
(٢) "الطبقات" (٤/ ٧٥).
(٣) "المعجم الكبير" (٦/ ٢١٢).
(٤) "المستدرك" (٣/ ٥٩٨).
[ ١ / ٣٨٢ ]
الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ: «سلمانُ منا أهلَ البيت» وهذا الحديث ضعيف جدًا؛ لأن كثير بن عبد الله المزني قال عنه الدارقطني وغيره: (متروك)، وقال ابن عدي: (عامة ما يرويه لا يتابع عليه)، وقال الشافعي: (من أركان الكذب)، وسيأتي له ذكر في باب «الصلح» من كتاب «البيوع» إن شاء الله، وإنما ذكرت هذا الحديث ليعلم حاله.
مات بالمدينة في اخر خلافة عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين على قول الأكثرين (^١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الطهارة»، باب «الاستطابة» (٢٦٢) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن خاله عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن سلمان قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل لقد نهانا … الحديث.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (قيل له ..) في رواية أخرى عند مسلم من طريق سفيان، عن الأعمش ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: (قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم، حتى يعلمكم الخراءة ..) فبين بذلك القائل وأنهم المشركون.
قوله: (حتى الخراءة) بكسر المعجمة وتخفيف الراء وبالمد اسم لهيئة الحدث؛ أي: أدب التخلي والقعود لقضاء الحاجة، وأما نفس الحدث وهو الخارج، فهو الخِراءُ: بحذف التاء وبالمد، مع فتح الخاء أو كسرها.
قوله: (فقال: أجل) هذا حرف جواب مثل (نعم) وهي لتصديق الخبر وتحقيق الطلب، تقول لمن قال: (قام زيد): أجل، ولمن قال: (اضرب زيدًا): أجل، وعن الأخفش أنها تكون في الخبر والاستفهام، إلا أنها في الخبر أحسن من (نعم)، و(نعم) في الاستفهام أحسن منها، فإذا قال: أنت
_________________
(١) "الاستيعاب" (٤/ ٢٢١)، "السير" (١/ ٥٠٥)، "الإصابة" (٤/ ٢٢٣).
[ ١ / ٣٨٣ ]
سوف تَذهبُ، قلتَ: أجل، وكان أحسن من (نعم)، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم، وكان أحسن من (أجل) (^١).
ومراد سلمان ﵁ تصديق هذا الخبر، وهو أنه ﷺ علمنا كل ما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتَ أيها القائل، فإنه علمنا ادابه، فنهانا عن كذا وكذا، مما جاء في هذا الحديث وغيره.
قوله: (لقد نهانا) أُكدت الجملة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام الموطئة للقسم، و«قد»؛ لأن المقام يستدعي التوكيد؛ لأنه يخاطب من يحتاج إلى توكيد الخبر.
قوله: (بغائط أو بول) هكذا في «بلوغ المرام»، و«مختصر صحيح مسلم» للقرطبي والمنذري، وفي «صحيح مسلم»: (لغائط) باللام، وكذا في النسخة التي عليها شرح عياض والنووي، قال النووي: (كذا ضبطناه في مسلم: (لغائط) باللام، وروي في غيره: (بغائط)، وروي: (بالغائط) باللام والباء، وهما بمعنى (^٢) وتقدم معناه.
قوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء: إزالة النجو: وهو العذرة (^٣)، وأكثر ما يستعمل في الاستنجاء بالماء، وقيل: يستعمل في الإزالة بالحجارة، وهو المراد هنا.
قوله: (برجيع) الرجيع: الروث والعذرة، فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه رجع عن حاله الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا إلى غير ذلك، وكذلك كل فعل أو قول يُردّ فهو (رجيع) فعيل بمعنى مفعول (^٤).
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة حال الغائط أو البول، وسيأتي ذلك - إن شاء الله - في الحديث الآتي.
_________________
(١) "الجنى الداني" ص (٣٥٩).
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ١٥٥).
(٣) "الصحاح" (٦/ ٢٥٠٢).
(٤) "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ٢٤٢).
[ ١ / ٣٨٤ ]
الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليد اليمنى، وتقدم ذلك في الحديث الذي قبله.
الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الأقل من ثلاثة أحجار لا ينقي في الغالب، إلا إن أراد أن يتبع الحجارة بالماء، فيجوز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار؛ لأن الماء وحده كاف، كما تقدم في حديث أنس ﵁؛ والأخذ بظاهر الحديث أقوى؛ وهو أنه لا ينقص عن ثلاثة أحجار حتى ولو أراد أن يتبع ذلك بالماء، فإن الإنسان قد ينسى فيتوضأ ولا يستنجي بالماء، وربما يعرق ويتلوث بعرقه سراويله وما حول المخرج، فإن لم يحصل الإنقاء بالثلاث زاد حتى يحصل، والكمال أن يقطع ذلك على وتر، فإذا أنقى بأربع زاد مسحة خامسة، وهكذا، ليكون منتهاه على الوتر، كما هو الشأن في كثير من الأمور الشرعية أن تنتهي على وتر، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁، وفيه «ومن استجمر فليوتر» (^١) وظاهره الوجوب، لكن جاء في رواية أخرى: «ومن استجمر فليوتر، فمن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (^٢)، قال الحافظ: (وهي زيادة حسنة الإسناد، وبها يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب) (^٣) وكذا حسنها النووي (^٤)، لكن في «التلخيص» (^٥) ما يدل على تضعيف هذه الزيادة، والنفس تميل إلى ذلك.
الوجه السابع: اختلف العلماء: هل تتعين الأحجار في الاستنجاء فلا يجزئ غيرها أم لا؟ قولان:
الأول: أنه لا تتعين الأحجار، بل يجزئ كل ما قام مقامها في الإنقاء، من الخرق، أو الأخشاب، أو المناديل الورقية، ونحو ذلك؛ لأن الغرض
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥)، وابن ماجه (٣٣٧)، وأحمد (١٤/ ٤٣٢).
(٣) "فتح الباري" (١/ ٢٥٧).
(٤) "المجموع" (٢/ ٥٥).
(٥) (١/ ١١٣).
[ ١ / ٣٨٥ ]
التطهير، وليس نوعًا بعينه، وإنما نص الشرع على الأحجار لأنها أيسر وأسهل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
قالوا: ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه ﷺ عن العظام والرجيع فلو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا، فلما خُصّ النهي بالعظام والرجيع دل على أن ما سوى ذلك من المباحات يجوز الاستنجاء به.
والقول الثاني: أنه تتعين الأحجار في الاستنجاء، ونسبه النووي (^١) لبعض الظاهرية، أخذًا بظاهر الحديث حيث نص على الأحجار، والأول أرجح؛ لقوة مأخذه.
الوجه الثامن: ذهب الجمهور إلى أن المراد بالأحجار الثلاثة، ثلاث مسحات، قالوا: فلا يلزم ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف فمسح بكل حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر واحد.
والقول الثاني: أنه لا بد من ثلاثة أحجار، أخذًا بظاهر الحديث، وهو قول ابن حزم (^٢) ورواية عن أحمد (^٣)، والصحيح من المذهب هو الأول.
والأول أظهر؛ لأن العلة معلومة، وهي قصد الإنقاء وتطهير المحل، فإذا كان الحجر له ثلاث شعب غير متداخلة واستجمر بكل جهة منه صح.
الوجه التاسع: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والرجيع، وذلك أن العظم إذا كان من حيوان مذكى فهو طعام الجن، لما ورد في حديث ابن مسعود ﵁ في قصة ليلة الجن، وفيه: (فقال رسول الله ﷺ: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القران»، قال: فانطلقَ بنا فأرانا اثارهم واثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم»، فقال
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٥٩).
(٢) "المحلى" (١/ ٩٥).
(٣) "الإنصاف" (١/ ١١٢).
[ ١ / ٣٨٦ ]
رسول الله ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» (^١).
وإن كان العظم عظم ميتة فهو نجس فلا يكون مطهِّرًا، وكذا الروث، فإن كان طاهرًا فهو علف لدوابهم، وإن كان نجسًا فليس بمطهر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٥٠).
[ ١ / ٣٨٧ ]