٩٥/ ١٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع منها، كتاب «الوضوء» باب «النهي عن الاستنجاء باليمين» (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وقد رواه عن يحيى هشامُ الدستوائي، والأوزاعيُّ، وشيبانُ بن عبد الرحمن التميمي، وهذا عند البخاري في «الوضوء» وفي «الأشربة»، ورواه عند مسلم عن يحيى، همامُ بن يحيى، وهشامُ الدستوائي، وأيوبُ بن النجار.
وسيذكر المصنف هذا الحديث مرة أخرى في أحاديث «آداب الأكل والشرب» في باب «الوليمة» مقتصرًا على الجملة الأخيرة.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يمسكن) أي: لا يأخذن، وهو مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و(لا) ناهية، وفي لفظ للبخاري ومسلم: (لا يمسّ ذكره بيمينه).
قوله: (وهو يبول) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه»، وهي جملة حالية، معناها لا يأخذ ذكره بيده اليمنى حال بوله.
[ ١ / ٣٧٨ ]
قوله: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) أي: لا يستنج بحجر أو ماء من البول أو الغائط بيده اليمنى، وفي لفظ لمسلم: (نهى أن يستطيب بيمينه).
قوله: (ولا يتنفس في الإناء) أي: لا يخرج النّفَسَ من جوفه في الوعاء الذي يشرب فيه، كإناء اللبن والماء ونحوهما.
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي البائل أن يمسك ذكره بيمينه حال البول؛ لأن هذا ينافي تكريم اليمين.
وقد حمل جمهور العلماء هذا النهي على الكراهة - كما ذكر النووي وغيره ـ؛ لأنه من باب الآداب والتوجيه والإرشاد، ولأنه من باب تنزيه اليمين وذلك لا يصل النهي فيه إلى التحريم.
وذهب داود الظاهري وكذا ابن حزم (^١) إلى أنه نهي تحريم، بناءً على أن الأصل في النهي التحريم.
وقول الجمهور أرجح، وهو أنه نهيُ تأديب وإرشاد، ومما يؤيده قوله ﷺ في الذَّكَرِ: «هل هو إلا بضعة منك»، وتقدم هذا الحديث في «نواقض الوضوء».
والأحوط للمكلَّف ألا يمس ذكره بيمينه حال البول؛ لأن الحديث نهى عنه، ومحل النهي عن مس الذكر باليمين إذا لم تكن ضرورة، فإن كان ثَمّ ضرورة جاز من غير كراهة (^٢).
والمرأة كالرجل في حكم مس القبل والدبر باليمين؛ لأن سبب النهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار.
الوجه الرابع: قيد النهي عن مس الذكر باليمين في حال البول، لقوله: «وهو يبول» فهل هذا القيد معتبر أو لا؟ قولان:
الأول: أن هذا قيد معتبر، وأن النهي مختص بحالة البول أخذًا بظاهر الحديث؛ لأنه ربما تتلوث يده اليمنى إذا مس ذكره بها، فإن كان لا يبول جاز
_________________
(١) "المحلى" (١/ ٩٥).
(٢) "الإنصاف" (١/ ١٠٣).
[ ١ / ٣٧٩ ]
لحديث: «هل هو إلا بضعة منك»، وإذا كان بضعة منه فلا فرق بين أن يمسه بيده اليمنى أو اليسرى؛ لأنه دل على الجواز في كل حال، وخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح حديث أبي قتادة، وبقي ما عداها على الإباحة.
القول الثاني: أن النهي عام، وأنه يكره أن يمس ذكره بيمينه مطلقًا في حال البول وغيره، واستدلوا بحديث أبي قتادة هذا، فإن لفظه في إحدى روايات مسلم: (نهى النبي ﷺ أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه ..)، فهذا مطلق لم يقيد بحالة البول. قالوا: وفي تقييده بحال البول تنبيه على الإطلاق وأولى، فإنه إذا نُهي عن المس باليمين حال البول مع أن ذلك مظنة الحاجة فغير ذلك من الحالات أولى.
والظاهر حمل المطلق على المقيد لأنه حديث واحد اختلف عليه الرواة، فينبغي حمل المطلق على المقيد، ويكون القيد زيادة من عدل، وهي مقبولة عند أهل العلم، كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد (^١)، وقال صاحب «المنهل العذب المورود»: (والحق أن هذا من ذكر بعض أفراد العام، لا من المطلق والمقيد؛ لأن الأفعال في حكم النكرات؛ والنكرة في سياق النفي تعم) (^٢)، وعلى هذا فذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يفيد التخصيص، كما هو معلوم في «الأصول».
وما دام أن الحديث ورد بالإطلاق والتقييد فالأحوط ألا يمس ذكره بيمينه إلا لعذر كأن تكون اليسرى مشلولة، أو فيها جرح، ونحو ذلك.
الوجه الخامس: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء باليمين من البول والغائط، سواء بالأحجار أم بالماء، والخلاف فيه - كما تقدم - فالجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، وبه قال بعض الشافعية، كصاحب «المهذب»، فإنه قال: (ولا يجوز أن يستنجي بيمينه)، لكن صرفها النووي - في شرحه - (^٣) عن ظاهرها
_________________
(١) "شرح العمدة" (١/ ٢٥٨).
(٢) (١/ ١٢١).
(٣) "المجموع" (٢/ ١١٠).
[ ١ / ٣٨٠ ]
بما يوافق مذهب الجمهور، والأحوط للمسلم ألا يستنجي بيمينه، لورود النهي عنه ﷺ وقد قال: «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (^١) فإن وجد حاجة - كما تقدم - فلا بأس.
الوجه السادس: الحديث دليل على النهي عن التنفس في الإناء، وإنما يتنفس خارجه، فإن ذلك سنة ثابتة، وأدب شرعي في الشرب.
والتنفس في الإناء فيه ثلاثة محاذير:
١ - أن التنفس في الإناء يقذر الشراب على من بعده؛ لأنه ربما سقط فيه أثناء النفس شيء من الفم أو الأنف.
٢ - أن النفس ربما حمل أمراضًا يتلوث بها الإناء.
٣ - أنه يخشى عليه من الشّرَقِ؛ لأن الماء نازل، والنفس صاعد، فإذا التقيا فقد يشرق الإنسان ويتساقط اللعاب في الإناء، وكل ذلك منافٍ للأدب.
والسنة للإنسان إذا شرب ألا يشرب في نَفَسٍ واحد، بل يشرب في نفسين أو ثلاثة مع فصل القدح عن فيه؛ لأن ذلك أخف على المعدة، وأنفع لريّه، وأحسن في الأدب، وأبعد من فعل أرباب الشره، وقد ورد عن أنس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: «إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ»، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا (^٢).
ومعنى: «أروى»، أي: أكثر ريًّا. «وأبرأَ»: أي: أبرأ من ألم العطش، أو أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفس واحد، و«وأمرأ»: أي: أجمل انسياغًا، وأخف على المعدة.
وكذا ورد النهي عن النفخ، وهو أشد، كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُتنفس في الإناء، أو يُنفخ فيه (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٨)، (١٢٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٢٨)، والترمذي (١٨٨٩)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٣٨١ ]