٩٧/ ١٢ - وَلِلسّبْعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبي أَيّوبَ ﵁: «لَا تَسْتَقْبِلوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري النجاري، غلبت عليه كنيته، شهد العقبة، ونزل عليه النبي ﷺ حين قدم المدينة حتى بنى مسجده وبيوته، واخى بينه وبين مصعب بن عمير، شهد غزوة بدر وما بعدها، وشهد الفتوحات، ولازم الغزو فلم يتخلف عن غزوة إلا وهو في أخرى، حتى توفي في غزوة القسطنطينية من بلاد الروم، زمن معاوية، سنة اثنتين وخمسين (^١)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «لا تُستقبل القبلة بغائط ولا بول إلا عند البناء: جدارٍ أو نحوه» (١٤٠) وأخرجه من طريق أخرى في «الصلاة» (٣٩٤) باب «قبلة أهل المدينة وأهل الشام»، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢٢) وابن ماجه (٣١٨)، وأحمد (٣٨/ ٥٠٦، ٥١٨، ٥٥١) كلهم من طريق الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب ﵁، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت
_________________
(١) "الإصابة" (٣/ ٥٦).
[ ١ / ٣٨٨ ]
نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله ﷿. هذا لفظ البخاري.
وقد رواه عن الزهري جماعة: ابن أبي ذئب، كما عند البخاري، وسفيان بن عيينة، عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، ويونس بن يزيد عند ابن ماجه، ومعمر بن راشد عند أحمد.
ولفظ الكتاب هو لفظ أبي داود، وليس فيه قوله: «ولا تستدبروها» وفي نسخ أخرى من «البلوغ» أثبتت هذه الجملة، وقوله: (وللسبعة من حديث أبي أيوب ..) لو قال: مرفوعًا لكان أحسن، ولكن اختصر ذلك، أو أنه ساقط من نسخ البلوغ، والله أعلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا أتيتم الغائط) المراد به هنا: المكان المنخفض من الأرض الذي كانوا يقصدونه قبل بناء المراحيض لقضاء الحاجة، وتقدم.
قوله: (فلا تستقبلوا القبلة) المراد: الكعبة أو جهتها.
قوله: (بغائط) المراد به هنا: الخارج المستقذر من الدبر.
قوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) أي: استقبلوا جهة الشرق أو الغرب؛ والخطاب في ذلك لأهل المدينة ونحوهم ممن إذا شرق أو غرب انحرف عن القبلة؛ لأن قبلتهم إلى الجنوب، فإذا شرّقوا أو غرّبوا صارت عن يمينهم أو شمالهم.
قوله: (فقدمنا الشام) أي: بعد فتحها، وهو منصوب على نزع الخافض، أي: إلى الشام.
قوله: (مراحيض) جمع مرحاض، وهو المغتسل، والمراد هنا: موضع التخلي، قال في «المصباح المنير»: (رَحَضْتُ الثوب رحضًا: غسلته، والمرحاض: بكسر الميم موضع الرحض، ثم كُنِّي به عن المستراح؛ لأنه موضع غسل النجو) (^١).
قوله: (فننحرف عنها ونستغفر الله ﷿) أي: نميل عن جهة المرحاض
_________________
(١) ص (٢٢٢).
[ ١ / ٣٨٩ ]
التي هي نحو الكعبة، والاستغفار هنا: إما لأنهم لم يحولوها إلى ناحية غير القبلة، أو لأن انحرافهم لا يحصل به تمام الانحراف عن القبلة لصعوبة ذلك حيث كان اتجاه المراحيض إليها.
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها حال البول أو الغائط، وهذا النهي للتحريم عند جمهور العلماء، وقد اختلف في هذه المسألة على أقوال أهمها:
القول الأول: تعميم النهي، وبه قال جماعة من أهل العلم، فقالوا: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء والبنيان، وهو المشهور من مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أبو بكر عبد العزيز (^١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن العربي، وابن حزم ورجحه، الشوكاني، والمباركفوري شارح «جامع الترمذي»، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، ودليلهم حديث أبي أيوب وما في معناه، فإنه نص صريح في النهي عن الاستقبال والاستدبار، ولأنه فعل الراوي.
القول الثاني: لمالك والشافعي وجماعة من أهل العلم منهم: البخاري، أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز في البنيان، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب (^٣)، ورجحه الصنعاني (^٤).
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته، مستقبل الشام، مستدبر الكعبة)، وفي رواية: (مستقبلًا بيت المقدس) (^٥).
_________________
(١) "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٤١)، "تصحيح الفروع" (١/ ١١١)، "الإنصاف" (١/ ١٠١).
(٢) "الاختيارات" ص (٨)، "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٠٢) (٤/ ٢٨٠)، "تهذيب مختصر السنن" (١/ ٢٢)، "عارضة الأحوذي" (١/ ٢٧)، "المحلى" (١/ ١٨٩ - ١٩٠)، "نيل الأوطار" (١/ ٩٨)، "تحفة الأحوذي" (١/ ٥٨)، "فتاوى ابن إبراهيم" (٢/ ٣٥).
(٣) "حاشية الدسوقي" (١/ ١٠٨)، "المجموع" (١/ ٩٢)، "الإنصاف" (١/ ١٠٠).
(٤) "سبل السلام" (١/ ١٣٧).
(٥) أخرجه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)، (٦٢).
[ ١ / ٣٩٠ ]
وكان الأولى بالمصنف أن يذكر هذا الحديث بعد حديث أبي أيوب، كما فعل ابن دقيق العيد في «الإلمام»، والمقدسي في «العمدة»، لِيُعرف الاستدلال به لمن قال بمضمونه، وجواب المخالف عنه.
قالوا: وهذا دليل على جوازه في البنيان؛ لأن فعل الرسول ﷺ يفسر أقواله ويبين مراده، فإذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وإذا أمر بشيء ثم تركه دل على أن الأمر ليس للوجوب، بل للاستحباب.
وحديث ابن عمر هذا ليس فيه إلا الاستدبار فقط، فإلحاق الاستقبال به إما بطريق القياس، أو لحديث جابر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (^١).
وأجاب الأولون عن حديث ابن عمر بأنه فعل، وفعله ﷺ لا يعارض قوله الذي هو خطاب لعموم الأمة؛ لأن الفعل له عدة احتمالات فلا يَرُدّ صريح النهي:
١ - فيحتمل أنه قبل النهي، فالنهي يرجح عليه؛ لأنه ناقل عن الأصل، وهو الجواز.
٢ - ويحتمل أنه خاص بالنبي ﷺ فلا يلحق به غيره.
إلى غير ذلك من الاحتمالات التي ذكر ابن القيم، وهي ستة (^٢)، وبعضها
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٣)، والترمذي (٩) وابن ماجه (٣٢٥) وأحمد (٢٣/ ١٥٧) من طريق ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر -﵁-، وهذا إسناد حسن من أجل ابن إسحاق، حسنه الترمذي، والنووي في "شرحه على صحيح مسلم" (٣/ ١٥٧)، ونقل ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير" (١/ ٤٤) أن البخاري صححه، وقال الترمذي في "العلل" (١/ ٨٦ - ٨٧): (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق) قال ابن القيم: (إن كان مراد البخاري صحته عن ابن إسحاق لم يدل على صحته في نفسه، وإن كان مراده صحته في نفسه فهي واقعة عين حكمها حكم حديث ابن عمر). "زاد المعاد" (٢/ ٣٨٥).
(٢) "زاد المعاد" (٢/ ٣٨٦).
[ ١ / ٣٩١ ]
ضعيف، كقولهم: إنه قبل النهي، فإن هذا مجرد احتمال، فلا يكفي، إذ لا دليل عليه، وأما دعوى الخصوصية فمردودة؛ لأن الأصل التأسي به ﷺ في أفعاله ما لم يقم دليل على الخصوصية، لكن الدليل إذا طرقه الاحتمال ضَعُفَ، إذ لا سبيل للجزم بواحد منها، فلا تترك الأحاديث الصحيحة الصريحة لمثل ذلك.
وقالوا عن حديث جابر: إن فيه ابن إسحاق، وهو وإن كان لا بأس به ولكنه ليس بمنزلة من روى أحاديث النهي مطلقًا، وهي أحاديث في الصحيحين، كحديث أبي أيوب الذي أخرجه السبعة، ثم إن هذا الحديث حكاية فعل فلا عموم لها، ويحتمل أن ذلك لعذر، وليس فيه دلالة على أنه في البنيان، فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة في المنع؟.
والذي يظهر لي - والله أعلم - هو القول الأول، ووجه الترجيح أمران:
الأول: أن النهي ورد بصريح القول، وهو خطاب لجميع الأمة، ولم يغيره النبي ﷺ في حق أمته، لا مطلقًا ولا من وجه، وقد رواه عدد من الصحابة ﵃، كأبي أيوب في الصحيحين، وسلمان الفارسي وأبي هريرة عند مسلم وغيرهم، والمعارض لها إما معلول السند وإما ضعيف الدلالة.
الثاني: أن علة النهي تعظيم واحترام القبلة، وهذا معنى مناسب ورد النهي على وفقه فيكون علة له، ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفى.
قال الشوكاني: (الإنصاف: الحكم بالمنع مطلقًا، والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة، ولم نقف على شيء من ذلك) (^١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز استقبال الشمس أو القمر حال البول أو الغائط، ووجه الدلالة من وجهين:
_________________
(١) "نيل الأوطار" (١/ ٩٦).
[ ١ / ٣٩٢ ]
الأول: أنه نهاهم عن استقبال القبلة واستدبارها، ولم ينههم عن استقبال غيرهما من الجهات.
الثاني: أن قوله: «شَرِّقوا أو غَرِّبوا» عام في كل وقت، فإذا شرق وقت طلوعهما استقبلهما، وإذا غرب عند ميلانهما للغروب استقبلهما.
وأما ما جاء في كتب الفقه من كراهة استقبالهما لما فيهما من نور الله تعالى، فهو غير صحيح لأمرين:
الأول: أن النور الذي في الشمس والقمر ليس نور الله تعالى الذي هو صفته، بل هو نور مخلوق.
الثاني: أن هذا النور ليس خاصًا بهما، بل هو في سائر الكواكب، فيلزم منه كراهة استقبال النجوم، ولا قائل به، والله أعلم.
الوجه السادس: الحديث دليل على تعظيم الكعبة واحترامها؛ لأنها بيت الله ﷿، أضافها إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، ولها مكانة عظمى في قلوب المسلمين، وقد أوجب الله تعالى استقبالها في الصلاة التي هي أكمل حالات العبد، إذ هي صلة بين العبد وربه، ونزهها أن تكون قبلة لهم حال بولهم أو غائطهم، أو تكون خلفهم تعظيمًا لها واحترامًا، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٩٣ ]