٥٨/ ١ - عَنِ المُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبِيّ ﷺ، فَتَوَضّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأنزِعَ خُفّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فَمَسحَ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان» (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤) (٧٩) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه ﵁.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن زكريا مدلس، وأنه لم يروه من حديث عامر إلا بالعنعنة (^١)، وفاته أنه أخرجه أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٥٥) من ثلاثة طرق عن زكريا، قال: ثنا عامر، فقد صرح بالتحديث (^٢) فزال بذلك ما يخشى من تدليسه، ثم إن المشهور عند أكثر العلماء أن رواية المدلس في الصحيحين بلفظ العنعنة حكمها الصحة والاتصال، وتحمل على ثبوت السماع لدى الشيخين من جهة أخرى، إحسانًا للظن بهما أو لأمور أخرى ذكرها أهل العلم (^٣).
وذكر الحافظ أن الحديث له طرق كثيرة عن المغيرة، ونقل عن البزار أنه
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٣٠٩).
(٢) انظر:"الخلافيات" للبيهقي (٣/ ٢٣٨).
(٣) "التدليس" ص (١٣٣).
[ ١ / ٢٤٨ ]
رُويَ عن المغيرة من نحو ستين طريقًا (^١)، فهو من أشهر أحاديث المسح على الخفين.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (كنت مع النبي ﷺ فتوضأ) هكذا في نسخ «البلوغ» (فتوضأ)، وعند البخاري: (في سفر) مكان: (فتوضأ)، ومعنى (فتوضأ): أخذ في الوضوء، لا أنه استكمله، بدليل سياق الحديث، والمراد بالسفر: سفر غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة، وكان ذلك قبل صلاة الفجر، كما ورد في «المغازي» (^٢).
قوله: (فأهويت): أي: انحنيت مادًا يدي، يقال: أهوى بيده إلى كذا ليأخذ، وأهويت: قصدت الهواء من القيام إلى القعود، وهذا في الرباعي، وأما في الثلاثي: فهوى - بفتح الواو - يهوي: إذا سقط.
قوله: (لأنزع) بكسر الزاي، من باب ضرب يضرب، أي: أخلع، وهذا الصنيع من المغيرة ﵁ يحتمل أنه لم يكن قد علم برخصة المسح، أو علمها وظن أنه ﷺ سيفعل الأفضل على القول بأن الغسل أفضل.
قوله: (دعهما) الضمير يعود على الخفين، أي: اتركهما، أو يعود على القدمين، والأول أظهر.
قوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) الضمير في قوله: (أدخلتهما) يعود على القدمين، بدليل رواية أبي داود: «دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان» (^٣)، و(طاهرتين) حال من الهاء في (أدخلتهما)، والجملة تعليلية لقوله: (دعهما)، وجاء في رواية يحيى بن سعيد القطان عن زكريا، عند أحمد بلفظ: «أدخلتهما وهما طاهرتان» (^٤)، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين اللفظين.
_________________
(١) "التلخيص" (١/ ١٦٦).
(٢) انظر: "فتح الباري" (٨/ ١٢٥).
(٣) "سنن أبي داود" (١٥١).
(٤) "مسند أحمد" (٣٠/ ١٧٥ - ١٧٦).
[ ١ / ٢٤٩ ]
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز المسح على الخفين في الوضوء بدلًا من غسل الرجلين، وذلك في السفر لهذا الحديث، وفي الحضر لحديث علي ﵁ الآتي. ومثله حديث حذيفة ﵁ (^١).
ولا فرق في جواز المسح أن يكون لحاجة أم لا، فيجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والمريض الذي لا يمشي، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (^٢).
ويقاس على الخفين كل ما يستر الرجلين من الشراب واللفائف ونحو ذلك، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المسح على الخفين لمن كان لابسًا لهما أفضل من خلعهما وغسل الرجلين، لقوله: (دعهما)، ولأن المسح من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ وقد طعن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنة أفضل من إماتته (^٣).
ومن يخلع خفيه عند كل وضوء فقد خالف السنة، ويخشى أن يكون فعله هذا تشبهًا بالرافضة.
وأما مع عدم اللبس فالأفضل الغسل، ولا يلبس ليمسح؛ لأن الغسل هو الأفضل حينئذٍ.
الوجه الخامس: الحديث دليل أن المسح يكون على مطلق الخف، فما سمي خفًا جاز المسح عليه، ولو كان فيه خرق أو شق على الصحيح من قولي أهل العلم؛ لأن السنة وردت بالمسح على الخفين مطلقًا دون تقييده بأوصاف زائدة، ولأن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو خرق، لا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من الصحابة ﵃ فقراء لا يمكنهم تجديد ذلك، فما أطلقه الشرع لم يجز لأحد تقييده إلا بدليل شرعي، والصحابة ﵃
_________________
(١) "التمهيد" (١١/ ١٤٥).
(٢) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٦٧).
(٣) "التمهيد" (١١/ ١٣٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
لم ينقل عن أحد منهم تقييد الخف بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفاف مع علمهم بأحوالها، فعلم أنهم كانوا قد فهموا عن نبيهم جواز المسح على الخفين مطلقًا (^١).
فعلى هذا لا يصح اعتبار شروط لا أصل لها في الشرع، وتعود على مقصود الرخصة بالإبطال.
الوجه السادس: استدل بعض العلماء بقوله: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان» على أن إكمال الطهارة شرط في صحة المسح على الخفين، وأنه لا يلبسهما إلا بعد طهارة الرجلين جميعًا؛ لأن قوله: «وهما طاهرتان»، حال من كل واحدة من الرجلين، فيصير التقدير: أدخلت كل واحدة في حال طهارتها، وذلك إنما يكون بإكمال الطهارة، وعلى هذا فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها، ثم اليسرى وأدخلها لم يصح المسح؛ لأنه لم يدخلهما وهما طاهرتان، بل أدخل الأولى قبل طهارة الثانية، وهذا قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (^٢)، وعند هؤلاء لو حصل ما ذكر وجب عليه أن يخلع اليمنى، ثم يلبسها مرة أخرى، ليكون لبسها بعد كمال الطهارة.
والقول الثاني: أن من غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس الخف أن طهارته كاملة، ويجوز له المسح، وهذا قول الحنفية، وبعض الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (^٣)، قالوا: لأنه إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه فقد طهرت رجله التي غسلها، فإذا أدخلها في الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، ثم إذا غسل الأخرى من ساعته وأدخلها الخف فقد أدخلها وهي طاهرة، فقد أدخل مَنْ هذه صفته رجليه الخف وهما طاهرتان.
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن هذا الصواب
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٧٢).
(٢) "حاشية الدسوقي" (١/ ١٤٣)، "المجموع" (١/ ٥٤٠)، "الإنصاف" (١/ ١٧١ - ١٧٢).
(٣) "شرح فتح القدير" (١/ ١٤٧)، "المجموع" (١/ ٥٤٠)، "المغني" (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٢٥١ ]
بلا شك) (^١)، كما اختاره ابن القيم، وقال: (إنه أصح القولين) (^٢).
وقوله: (فإني أدخلتهما طاهرتين) ليس نصًا فيما ذكره الأولون، بل يحتمل أن المعنى ما ذكر، ويحتمل أن المعنى أدخلت كل واحدة طاهرة، لكن قد يؤيد القول الأول حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما - وسيأتي إن شاء الله ـ، فقوله: (إذا تطهر فلبس) يفيد أنه لا يلبس قبل غسل الرجل اليسرى؛ لأن من فعل ذلك لم يصدق عليه أنه تطهر، وهذا هو الأحوط في هذه المسألة أنه لا يلبس الخفين إلا بعد كمال الطهارة، لكن من أخذ بالقول الثاني لم نجزم ببطلان طهارته وصلاته، لقيام الاحتمال.
الوجه السابع: الحديث دليل على شرط من شروط المسح على الخفين، وهو أن يلبسهما على طهارة، وظاهره أن المراد الطهارة بالماء؛ لأنها هي المراد عند الإطلاق، وهذا قول الجمهور (^٣)، فلو لبسهما على طهارة التيمم لم يمسح عليهما عند وجود الماء؛ لأن طهارة التيمم لا تعلق للرّجْلِ بها، فلا يتحقق قوله: «وهما طاهرتان».
الوجه الثامن: حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه حيث منع المغيرة من خلعهما وبيّن له السبب، وهو أنه أدخلهما طاهرتين، وفي هذا ثلاث فوائد كما تقدم في حديث الهرة:
١ - اطمئنان النفس واقتناعها؛ لأنها إذا علمت علة الحكم اطمأنت، وإن كان المؤمن سيطمئن على كل حال، لكن زيادة ذكر علة الحكم كلها خير.
٢ - سمو الشريعة وأنه لا يوجد حكم إلا وله علة وحكمة.
٣ - شمول الحكم بشمول العلة، فكل ما تحققت فيه العلة ثبت فيه الحكمُ المعلّلُ بهذه العلة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٠٩، ٢١٠).
(٢) "إعلام الموقعين" (٣/ ٣٨٢).
(٣) "فتح الباري" (١/ ٣١٠).
[ ١ / ٢٥٢ ]