٧٤/ ٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذْيٌ فلينصرف فَلْيَتَوَضّأْ، ثُمّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذلِكَ لَا يَتكلّم». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
قولنا: (بيان شيء من نواقض الوضوء) هي: القيء، والرعاف، والقَلْسُ، والمذي، والظاهر أن هذا هو غرض الحافظ من إيراد هذا الحديث هنا، وقد بوّب عليه ابن ماجه في كتاب «الصلاة» باب «البناء على الصلاة»، وذكر الحافظ في باب «شروط الصلاة» ما يتعلق بذلك، وأعاد هذا الحديث مرة أخرى هناك على ما في بعض النسخ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه (١٢٢١) في كتاب «الصلاة» باب «ما جاء في البناء على الصلاة» من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة (^١) عن عائشة ﵂ به.
وهذا الحديث من أفراد ابن ماجه عن بقية أصحاب الكتب الستة، وإسناده ضعيف، ضعفه البوصيري (^٢)، وسبب ضعفه:
١ - أنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، وابن جريج حجازي، وإسماعيل شامي، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد
_________________
(١) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة -بالتصغير- ثقة، فقيه، من الثالثة.
(٢) "مصباح الزجاجة" (١/ ١٤٤).
[ ١ / ٣١٦ ]
خالفه الحفاظ في روايته، قال عنه في «التقريب»: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط عن غيرهم).
٢ - أن الحفاظ أصحاب ابن جريج خالفوا إسماعيل في روايته، فرووه عن عبد الملك بن جريج، عن أبيه عبد العزيز بن جريج، عن النبي ﷺ مرسلًا، ونقل ابن عدي عن الإمام أحمد: أن الصواب عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا (^١).
وقال أبو حاتم عن وصل الحديث: (هذا خطأ، وإنما يروونه عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلًا) (^٢).
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال في حديث ابن جريج، عن أبيه: (ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي ﷺ) (^٣).
وعلى هذا فالصواب أن رفع إسماعيل له شاذ، والمحفوظ ما رواه الجماعة عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلًا.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من أصابه قيء) القيء: بالهمزة، إلقاء ما أكل أو شرب، أو هو ما قذفته المعدة عن طريق الفم.
قوله: (أو رعاف) بضم الراء المهملة، وهو خروج الدم من الأنف، وفعله رَعَفَ رَعْفًا من بابي: (قتل) و(نفع) ورَعُفَ بالضم لغة، وقيل: الرعاف الدم نفسه، وأصله: السبق والتقدم، وفرس راعف، أي: سابق، والرعاف سَبَق علم الراعف وتقدم.
قوله: (أو قَلْسٌ) بفتح القاف وسكون اللام، يقال: قَلَس قلْسًا، من باب (ضرب): خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم، وذلك أثناء الجشا، وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم أو دونه، فإن غلب فهو قيء،
_________________
(١) "الكامل" (١/ ٢٩٢)، وانظر: "سنن البيهقي" (١/ ١٤٢).
(٢) "علل الحديث" (١/ ١٣) رقم (٥٧).
(٣) "سنن البيهقي" (١/ ١٤٣).
[ ١ / ٣١٧ ]
والقَلَس: - بفتحتين - اسم للمقلوس، وهو ما يخرج من الفم.
قوله: (أو مذي) تقدم.
قوله: (وليبن على صلاته) أي: أو ليحسب ما كان قد صلى قبل الوضوء من ركعة أو أكثر، ويصلي ما كان باقيًا.
قوله: (وهو في ذلك لا يتكلم) أي: في حال انصرافه ووضوئه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الخارج النجس من غير السبيلين كالقيء، والقَلَسِ، والرعاف أنه ناقض للوضوء، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، على تفاصيل عندهم؛ لأنه خارج نجس، وكل خارج نجس من البدن فهو ناقض عندهم (^١).
كما استدلوا بحديث مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء ﵁: (أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت (^٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه) (^٣)، لكن لا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلا بأمرين:
الأول: أن تكون الفاء للسببية، وهي ليست نصًا في ذلك، بل يحتمل أن تكون للتعقيب.
الثاني: أن يكون لفظ (فتوضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظًا، وهو محل بحث (^٤) .. ثم لو ثبت ذلك فلا دليل فيه، كما سيأتي.
والقول الثاني: أن الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء،
_________________
(١) "شرح فتح القدير" (١/ ٣٩)، "كشاف القناع" (١/ ١٢٤)، "الإنصاف" (٢/ ١٩٧).
(٢) القائل هو معدان بن أبي طلحة، الراوي عن أبي الدرداء -﵁-.
(٣) أخرجه الترمذي (٨٧)، وأحمد (٤٥/ ٤٩٢) ولفظه: (قاء فأفطر)، وفي لفظ له (٤٥/ ٥٢٥): (استقاء رسول الله -ﷺ- فأفطر، فأتي بماء فتوضأ)، قال الترمذي: (هذا أصح شيء في هذا الباب)، وقيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: (نعم)، نقله في المغني (١/ ٢٤٧).
(٤) "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٣١٨ ]
وأن من قاء أو رَعَفَ فإن طهارته باقية، وهو قول الشافعي، ومالك، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وهو اختيار الشوكاني (^٣) والشيخ عبد الرحمن السعدي (^٤) والشيخ عبد العزيز بن باز.
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث جابر ﵁ في قصة عَبَّاد بن بشر في غزوة ذات الرقاع عندما أصيب بسهام وهو يصلي وخرج منه دماء كثيرة واستمر في صلاته (^٥)، قالوا: ويبعد أن لا يطلع النبي ﷺ على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أنكر أو أخبره بأن صلاته بطلت.
٢ - وجوب البقاء على البراءة الأصلية، فلا يحكم بالنقض حتى يثبت الشرع، ولا يصار إلى أن الدم أو القيء ناقض إلا لدليل ناهض، والقياس ممتنع في هذا الباب؛ لأن علة النقض غير معقولة، وهي مختلفة.
والراجح - والله أعلم - أن الرعاف والقيء والقَلَسَ لا تنقض الوضوء، لعدم وجود أدلة واضحة تدل على ذلك، فيبقى الأصل وهو عدم النقض إلا بدليل شرعي، ولأن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
وأما ما استدل به القائلون بالنقض، فحديث الباب ضعيف - كما تقدم - فلا تقوم به حجة، وأما حديث أبي الدرداء فإنه لا يدل على وجوب الوضوء من القيء، فإن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، ولأن هذا
_________________
(١) "حاشية الدسوقي" (١/ ١١٧)، "المجموع" (٢/ ٨)، "الإنصاف" (١/ ١٩٧).
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٢٢٢، ٢٢٨).
(٣) "نيل الأوطار" (١/ ٢٢٤).
(٤) "المختارات الجلية" ص (٢٢).
(٥) أخرجه أبو داود (١٩٨)، وأحمد (٢٣/ ٥١)، وابن خزيمة (٣٦)، وابن حبان (٣/ ٣٧٥) من طريق ابن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل، عن جابر، به. وهذا سند ضعيف؛ لأن عقيل -وهو ابن جابر- في عداد المجهولين، ما روى عنه غير صدقة بن يسار. وقد علقه البخاري في كتاب "الوضوء" [(١/ ٢٨٠) فتح الباري] مختصرًا بصيغة التمريض.
[ ١ / ٣١٩ ]
فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، بل يدل على مشروعية التأسي، فمن توضأ من باب الاحتياط فهو حسن، وأما الوجوب فليس عليه دليل ظاهر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا توضأ من الرعاف فهو أفضل، ولا يجب عليه في أظهر قولي العلماء) (^١).
وقال أيضًا: (استحباب الوضوء من القيء متوجه ظاهر، والفعل إنما يدل على الاستحباب) (^٢).
وأما انتقاض الوضوء بخروج المذي فقد مضى الكلام عليه وأنه ناقض للوضوء بالإجماع.
وأما غير دم الرعاف، وهو الدم الخارج من أي موضع من البدن غير السبيلين، فسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله تعالى - عند حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ احتجم ولم يتوضأ.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي وهو في الصلاة أنه ينصرف ثم يتوضأ ويبني على صلاته، وشَرْطُ ذلك ألا يتكلم، لقوله في اخر الحديث: (وهو في ذلك لا يتكلم) ولكن الحديث ضعيف كما تقدم، والصواب أن الحدث كالمذي والريح ونحوها تفسد الصلاة، كما سيأتي في باب «شروط الصلاة» من حديث علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان، لكنه حديث ضعيف، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتاوى" (٢١/ ٢٢٢، ٢٢٨).
(٢) "الفتاوى" (٢٠/ ٥٢٦).
[ ١ / ٣٢٠ ]