٤٣/ ١٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» «باب فضل الوضوء» (١٣٦) ومسلم (٢٤٦) (٣٥) في «الطهارة»، من طريق نُعيم بن عبد الله المُجْمِرِ، عن أبي هريرة ﵁، وهذا لفظ مسلم كما ذكر الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إن أمتي يدعون يوم القيامة …» وباقي الحديث سواء.
وفي لفظ لمسلم: (عن نُعيم المجمر قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله»).
وقوله: (فمن استطاع … إلخ) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁، فهمها أبو هريرة من قوله: (غرًا محجلين)، أدرجها في الحديث الراوي عنه، وهو نُعيم المجمر، قال الحافظ (ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا
[ ١ / ١٩٢ ]
الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نُعيم هذه، والله أعلم) (^١).
وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في مسنده (١٤/ ٣٥٤) من رواية ليث بن أبي سليم، عن كعب المدني (^٢)، عن أبي هريرة ﵁ وفي اخره: «فمن استطاع» وإسناده ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم، بسبب اختلاطه، ولجهالة كعب المدني، فيكون روى هذه اللفظة عن أبي هريرة اثنان، وقد خفيت على الحافظ رواية كعب هذه، والله أعلم.
وأخرج الحديث - أيضًا - (١٤/ ١٣٦) من طريق فليح بن سليمان، عن نعيم نحوه، وزاد فقال نعيم: (لا أدري قوله: «فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» من قول رسول الله ﷺ أو من قول أبي هريرة؟) وفليح بن سليمان متكلم فيه من قبل حفظه، وقد احتج به الشيخان.
وقد رجح كثير من الحفاظ والمحققين أن هذه اللفظة مدرجة، منهم الحافظ المنذري (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وابن القيم (^٥)، والحافظ ابن حجر، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع.
وعلى هذا فتكون اللفظة مدرجة من كلام أبي هريرة ﵁ لما يلي:
١ - أن الحديث رواه عدد من أصحاب النبي ﷺ كابن مسعود وجابر ابن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي أمامة وحذيفة وغيرهم ﵃، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهذا يؤيد أنها من كلام أبي هريرة، لا من كلام النبي ﷺ.
٢ - أن إطالة الغرة غير متيسرة؛ لأن الوجه مستقل، والرأس مستقل، فإذا أطال وزاد أخذ من الرأس، والرأس فرضه المسح.
٣ - أن النبي ﷺ لم يحفظ عنه أنه أطال الغرة ولا التحجيل، بل كان
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٢٣٦).
(٢) هو أبو عامر المدني، مجهول، كما في "التقريب".
(٣) "الترغيب والترهيب" (١/ ١٤٩).
(٤) "الفتاوى" (١/ ٢٧٩).
(٥) "حادي الأرواح" ص (١٣٧)، و"النونية" ص (٢٣١).
[ ١ / ١٩٣ ]
يغسل ذراعيه حتى يشرع في العضد، ورجليه حتى يشرع في الساقين، وذلك لإدخال المرفقين والكعبين في العضد والساق، كما في لفظ مسلم المتقدم، ولم ينقل عنه زيادة على ذلك.
٤ - ما أخرجه مسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة ﵁ وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يديه حتى تبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ (^١) أنتم هاهنا؟ لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^٢).
فهذا ليس فيه جملة «فمن استطاع» ولو كانت من كلام النبي ﷺ لأوردها أبو هريرة محتجًا بها على أبي حازم الذي أظهر له الارتياب من مد يده إلى إبطه، ولم يحتج إلى الاستنباط الذي قد يخطئ وقد يصيب، ثم لو كان صوابًا لم يصل إلى درجة النص في قوة الإقناع.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يظهر عليهم أثر الوضوء.
قوله: (يأتون) هذه رواية مسلم، وفي لفظ البخاري: (يُدعون) كما تقدم، ولعل اللفظ الأول رُتِّبَ على الثاني، أي: يدعون فيأتون، والمعنى - والله أعلم - يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك من مواقف يوم القيامة.
والمراد: أنهم يدعون يوم القيامة من بين الأمم، ووجوههم وأيديهم وأرجلهم تتلألأ نورًا وبياضًا من اثار الوضوء الذي يفعلونه في الدنيا تعبدًا له تعالى، وتعظيمًا لشأن الصلاة.
_________________
(١) فَرُّوخ: بفتح الفاء وتشديد الراء يقال: إنه من ولد إبراهيم - ﵇ - بعد إسحاق وإسماعيل، فكثر نسله ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد، وأراد أبو هريرة هنا الموالي [شرح النووي (٣/ ١٤٢)].
(٢) "صحيح مسلم" (٢٥٠).
[ ١ / ١٩٤ ]
قوله: (يوم القيامة) أي: يوم يقوم الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وهذا اليوم سمي بعدة أسماء فهو يوم القيامة - لما ذكر - وقد ورد بهذا الاسم في كتاب الله تعالى في سبعين اية، واليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، ويوم الآزفة لقربه، ويوم الجمع لأن الله يجمع فيه أهل السماء والأرض، ويوم التغابن، والقارعة، ويوم الفصل، إلى غير ذلك مما ورد في القران صريحًا أو استنباطًا، وكل ما عظم شأنه عند العرب تعددت أسماؤه، والقيامة لما عظم أمرها وكثرت أهوالها سماها الله تعالى بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة.
قوله: (غرًا) حال من فاعل «يأتون» وهو جمع: أغرّ، والغرة بياض في وجه الفرس يقال: غرَّ وجهه يَغَرُّ - بالفتح - غررًا وغرة وغِرارة: صار ذا غرة، والمعنى: أن أمة محمد ﷺ يأتون يوم القيامة تلمع وجوههم بياضًا ونورًا من اثار الوضوء - نسأل الله بركة ذلك اليوم بمنه وكرمه ـ.
قوله: (محجلين) حال ثانية، والتحجيل: بياض في قوائم الفرس كلها، وقيل: في ثلاث قوائم، في رجل ويدين، والمعنى: أن في أيديهم وأرجلهم بياضًا ونورًا من اثار الوضوء.
وقد استوفى ﷺ بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة بياض في الوجه، والتحجيل بياضهم في اليدين والرجلين، والرأس داخل في مسمى الغرة.
قوله: (من أثر الوضوء) من: للتعليل، وأثر: بالإفراد رواية مسلم، وفي رواية أخرى: «من اثار»، وهي رواية البخاري، وأثر الشيء: ما يعقبه ناشئًا عنه، والوضوء: بضم الواو، أي: الفعل.
قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل ..) أي: من قدر منكم أن يمد ويزيد غرته فليفعل، أي: فليطل غرته، وفي لفظ لمسلم: «فليطل غرته وتحجيله» واقتصر على الغرة في لفظ حديث الباب لدلالته على الآخر.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضيلة الوضوء وعظم ثوابه وأنه
[ ١ / ١٩٥ ]
سبب لاشتهار هذه الأمة من بين الأمم يوم القيامة، وذلك ببياض وجوههم وأيديهم وأرجلهم.
وقد تقدم حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (^١).
والمراد: حلية المؤمن في الجنة من مصوغ الذهب وغيره.
الوجه الرابع: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقد نسبه الحافظ إلى الحَلِيمِي (^٢) وهو من محدثي الشافعية وفقهائهم، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ خص الغرة والتحجيل بهذه الأمة، ولو كان الوضوء لغيرهم لثبت لهم ما ثبت لهذه الأمة.
والقول الثاني: أن الوضوء ليس مختصًا بهذه الأمة، بل كان موجودًا فيمن قبلهم، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، والدليل على عدم اختصاصها بالوضوء حديث أبي هريرة ﵁ في قصة سارة زوج الخليل - ﵊ - وفيه أن سارة لما طلبها الجبار وأرسل بها الخليل إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: «اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر .. الحديث» (^٣). فهذا صريح في العمل بالوضوء قبل هذه الأمة، وكذا ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ - أيضًا - في قصة جريج الراهب، وفيها: «فتوضأ وصلى» (^٤).
وهذا هو الأظهر - إن شاء الله تعالى - لقوة دليله، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه»،
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢١٧).
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠).
[ ١ / ١٩٦ ]
قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تَرِدُونَ عليَّ غرًا محجلين من أثر الوضوء» (^١).
فهذا يدل على أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل؛ لأنه جعل ذلك علامة لهم دون غيرهم من الأمم.
الوجه الخامس: اختلف العلماء في مجاوزة محل الفرض في الوضوء على قولين:
الأول: أنه لا تشرع الزيادة على محل الفرض، وهذا مذهب المالكية والظاهرية، وبعض فقهاء الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (^٢)، واختار هذا القول جمع من المحققين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)، وتلميذه ابن القيم (^٤).
القول الثاني: تشرع الزيادة على المحل المفروض، على تفصيل عندهم في كيفية ذلك، وهذا قول الشافعية (^٥)، وطائفة من فقهاء الحنفية (^٦)، والحنابلة، وهي رواية ثانية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي هريرة، وابن عمر ﵄، فقد أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عبيد (^٧) عن ابن عمر ﵄: (أنه كان يتوضأ في الصيف فربما بلغ في الوضوء إبطيه).
قال النووي: (اختلفوا في قدر المستحب على أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت، والثاني: يستحب إلى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٧).
(٢) انظر: "حاشية الدسوقي" (١/ ١٠٣)، "الإنصاف" (١/ ١٦٨).
(٣) "الفتاوى" (١/ ٢٧٩).
(٤) "زاد المعاد" (١/ ١٩٦).
(٥) "المجموع" (١/ ٤٢٨).
(٦) "رد المحتار" (١/ ٢٥٦).
(٧) "المصنف" (١/ ٥٥)، "الطهور" ص (١١٦). قال ابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٢٣٦): (إسناد حسن) وسكت عنه في "التلخيص" (١/ ١٠٠)، وقد تعقبه الألباني في "الضعيفة" (٣/ ١٠٨)؛ بأنه من رواية عبد الله بن عمر العمري، وقد قال عنه الحافظ في "التقريب": (ضعيف).
[ ١ / ١٩٧ ]
نصف العضد والساق، والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله ..) (^١). وأما الزيادة في الوجه فهي غسل شيء من مقدم الرأس.
واستدل الأولون القائلون بعدم جواز مجاوزة محل الفرض بالكتاب والسنة، والنظر.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ …﴾ الآية. ووجه الدلالة: أن الله تعالى حد محل الفرض من أعضاء الوضوء المغسولة والممسوحة، والآية من اخر ما نزل من القران، والتحديد يقتضي عدم الزيادة على ما حدد، وإلا لم يكن للتحديد فائدة.
وأما السنة فإن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ كعثمان وعلي وعبد الله ابن زيد وغيرهم ﵃ لم يذكر واحد منهم أنه زاد عن المحل الذي أمر بغسله أو مسحه، بل كان يغسل ذراعيه حتى يُشرع في العضد لإدخال المرفقين، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق لإدخال الكعبين - كما في لفظ مسلم المتقدم - ولم ينقل عنه زيادة على ذلك، ولو كانت الزيادة مشروعة لبينها النبي ﷺ وفعلها ولو مرة واحدة.
وأما النظر فمن وجوه:
الأول: أن الزيادة على المحل تؤدي إلى تداخل الأعضاء، فإذا زيد في غسل الوجه تعدى إلى الرأس وأصبح الممسوح مغسولًا، والوجه مستقل والرأس مستقل، وإن قيل: الغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنق، فالعنق عضو مستقل ليس من أعضاء الوضوء.
الثاني: أن الزيادة تؤدي إلى كون غير المأمور به مأمورًا به، كالعضد فإنه ليس من أعضاء الوضوء.
الثالث: أن الغرة لا يمكن إطالتها - كما تقدم - فإنها مختصة بالوجه،
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٣٧).
[ ١ / ١٩٨ ]
فإذا دخلت في الرأس لا تسمى غرة، إذ لا غرَّة في الرأس (^١).
أما القائلون بمشروعية الزيادة على محل الفرض فعمدتهم قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) قالوا: فأبو هريرة ﵁ قال ذلك بفهمه، فهو تفسير، وتفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله، ولأنه لم يفعله من تلقاء نفسه، بل إنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك، كما تقدم في الكلام على تخريج الحديث.
والصواب القول الأول، لقوة دليله، وهو أنه لا يزاد على القدر الواجب، إلا لقصد استيعاب محل الفرض، وهو الذي يدل عليه إشراع النبي ﷺ في العضد والساق.
وأما حديث الباب فإن قوله: (فمن استطاع) مدرج من كلام أبي هريرة ﵁ - كما تقدم - وما فعله اجتهاد منه ﵁، بدليل ما تقدم - أيضًا - في قصته مع أبي حازم.
وأما فعل النبي ﷺ فليس من باب مجاوزة محل الفرض، وإنما لاستيعاب الفرض كما تقدم، والله أعلم.
_________________
(١) "الفتاوى" (١/ ٢٧٩).
[ ١ / ١٩٩ ]