٥/ ٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا كانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» وفِي لَفْظٍ: «لَمْ يَنْجَسْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والحَاكمُ وَابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، المدني، الفقيه، أحد الأعلام في العلم والعمل، أسلم صغيرًا مع أبيه عمر ﵁، وأول مشاهده الخندق؛ لأنه كان قبلها صغيرًا، كان من أوعية العلم، قال مالك: بقي ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة، يقدم عليه وفود الناس؛ يعني لتلقي العلم، وكان شديد التحري والاحتياط في فتواه وكل ما يفعله بنفسه، له عناية بتتبع آثار النبي ﷺ وأمثاله، توفي في مكة سنة ثلاث وسبعين، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه الأربعة: أبو داود (٦٣) في كتاب «الطهارة» باب «ما ينجس الماء»، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ٧٥/٤٦)، وابن ماجه (٥١٧) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل
_________________
(١) "الاستيعاب" (٦/ ٣٠٨)، "تذكرة الحفاظ" (١/ ٣٧)، "الإصابة" (٦/ ١٦٧).
[ ١ / ٣٥ ]
الخبث»، وأخرجوه من طريق أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعًا، ورواه الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله - بالتصغير - بن عبد الله بن عمر، كما عند النسائي (١/ ١٧٥) وغيره، وكذا رواه محمد بن عباد بن جعفر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، كما في صحيح ابن حبان (٤/ ٦٣).
وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فصححه قوم - وهو الصواب - وضعفه اخرون، وممن صححه الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، والطحاوي، والدارقطني، وابن دقيق العيد، والعلائي في جزء أَلَّفَهُ فيه، وعبد الحق الأشبيلي، وممن صححه - كما ذكر الحافظ - ابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢)، قال الخطابي: (كفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب) (^١).
وممن ضعفه ابن عبد البر (^٢) وابن العربي (^٣)، وسبب ضعفه عندهم اضطرابه في سنده ومتنه.
أما الاضطراب في سنده فإن مداره على الوليد بن كثير المخزومي - كما تقدم - وهو صدوق - كما في «التقريب» - فيرويه تارة عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قالوا: فلما اختلف فيه هل هو عن محمد بن عباد أو عن محمد بن جعفر؟؛ علمنا أنه مُضْطَرَبٌ فيه غير محفوظ، وترجيح أحد القولين غير ممكن؛ لأن الترجيح إما بكثرة العدد وإما بالحفظ والإتقان، وكل ذلك موجود في رواية الطريقين، وقد تابع الوليدَ في روايته محمدُ بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عند أحمد (٢/ ٢٧) وأبي داود (٦٤) والترمذي (٦٧)
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ٥٨).
(٢) "التمهيد" (١/ ٣٢٩).
(٣) "أحكام القرآن" (٣/ ١٤٢٥)، "عارضة الأحوذي" (١/ ٨٤).
[ ١ / ٣٦ ]
وابن ماجه (٥١٧) والدارقطني (١/ ١٩)، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند الدارقطني، فانتفت شبهة تدليسه، ورواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر عن عبد الله .. عند أحمد (٢/ ٣) وأبي داود (٦٥) وابن ماجه (٥١٨) وهذا سند رجاله ثقات، كما قال البوصيري (^١).
وأما الاضطراب في المتن فقد روي فيه: «إذا بلغ الماء قلتين»، وروي: «إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء»، وفي رواية ابن عدي والعقيلي والدارقطني: «إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث».
والجواب: أما ما قيل من اضطراب الإسناد والاختلاف فيه فإن أهل العلم سلكوا في الجواب عنه مسلكين:
الأول: مسلك الترجيح، والثاني: مسلك الجمع، فأبو حاتم (^٢)، وابن منده (^٣)، والخطابي رجحوا رواية محمد بن جعفر بن الزبير، وأبو داود رجح رواية محمد بن عباد بن جعفر، كما نصَّ على ذلك في «سننه».
وأما من سلك مسلك الجمع - وهو الصحيح - فقالوا: إن كُلاًّ من الراويين ثقة محتج بهما في الصحيحين، وكذا الراوي عنهما، وهو الوليد بن كثير، فالحديث كيفما دار كان بخبر ثقة، فيصلح الاحتجاج به، والراوي الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا، وروى الحديثين على الوجهين المختلف فيهما كان صحيحًا، فكان أبو أسامة مرة يحدث عن الوليد، عن محمد بن جعفر، ومرة يحدث به عن الوليد عن محمد بن عباد، ومحمد بن جعفر بن الزبير رواه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، ومحمد بن عباد رواه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا قول البيهقي والحاكم، والدارقطني والعلائي والحافظ ابن حجر وغيرهم (^٤).
_________________
(١) "مصباح الزجاجة" (١/ ٢٠٦).
(٢) "العلل" (١/ ٢٤٤).
(٣) "نصب الراية" (١/ ١٦).
(٤) "الخلافيات" (٣/ ١٤٥)، الدارقطني (١/ ١٧)، وانظر: "جزء في تصحيح حديث القلتين" للعلائي.
[ ١ / ٣٧ ]
وأما ما قيل من اضطراب متنه بلفظ: (قلتين أو ثلاثًا): فهو من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر. وحماد وإن كان ثقة إلا أنه تغير في اخر عمره، والاختلاف منه؛ لأن الذين رووه عنه جماعة، وفيهم حفاظ أثبات، رووه باللفظين معًا - أعني بلفظ الشك؛ وبدون لفظ الشك - فدل على أن الاختلاف منه دون غيره، لكن رواية من رواه بدون قوله: (أو ثلاثًا) أولى بالصواب؛ لأنها رواية الأحفظ، ولأنها موافقة لرواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير، وأما رواية الأربعين فليست من حديث القلتين بشيء، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام ذكر أن هذا الحديث بلفظ الأربعين إن كان محفوظًا فلا يراد به قلال هجر؛ لأن الناس قد كانوا يسمون الكيزان التي يُشرب فيها قلالًا، يكون مبلغ الكوز منها رطلين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك (^١).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (قلتين) بضم القاف، تثنية قلة، وهي الجرة الكبيرة من الفخار، ويطلق عليها (الحُب) بضم الحاء؛ سميت بذلك لأنها تُقَلُّ، أي: تحمل؛ وهي قلال هجر، معروفة عند الصحابة، وعند العرب مستفيضة، وأما تقييدها في بعض الروايات بـ (قلال هجر) فلم يثبت؛ لأنه من أفراد مغيرة بن سقلاب، عن محمد بن إسحاق، وهو منكر الحديث، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، خالف في ذلك سائر الثقات من أصحاب ابن إسحاق. والمراد في الحديث: القلة الكبيرة؛ لأن التثنية دليل على أنها أكبر القلال، إذ لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة، والظاهر أن النبي ﷺ ترك تحديدها توسعة على الناس؛ لأنه لا يخاطب الصحابة ﵃ إلا بما يفهمون، فانتفى الإجمال، لكن لعدم تحديدها وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة، لعل أقربها أن القلتين خمسمائة رطل بالبغدادي، وهي خمس قِرَبٍ، كل قِربة مائة رطل، ولعلهم أخذوا ذلك ممن رأى قِرَبَ الحجاز، وعرف أن ذلك مقدارها. قال ابن جريج فقيه الحرم المكي وإمام الحجاز في
_________________
(١) "الطهور" ص (٢٣٩).
[ ١ / ٣٨ ]
عصره: (رأيت قلال هجر، والقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا)، قال الشافعي: (الاحتياط أن تكون القلتان قربتين ونصفًا)، وتقدران بحوالي (٣٠٧) لترات، أو (١٠٢) كيلو (^١)، وهذا هو ضابط الماء الكثير، وما كان أقل هو الماء القليل، وهو الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد؛ لأنه عمل بالنص، وأما العمل بالتحديد بالظن والراجح فهو ضعيف؛ لأن الطهور من أصل الدين، فلا بدَّ من دليل من كتاب أو سنة، والله المستعان.
قوله: (لم يحمل الخبث) - بفتحتين ـ: هو النجس، ومعنى «لم يحمل الخبث» أي: لم يقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه فلا تؤثر فيه.
قوله: (لم يَنْجَسْ) وهي عند الحاكم بلفظ: «لم ينجسه شيء» وعن أبي داود في رواية: «فإنه لا ينجس» وهو بفتح الجيم من باب تعب، فالماضي (نَجِس) بكسر الجيم، ويجوز ضمها في المضارع، من باب قتل يقتل، فالماضي (نَجَس) بفتح الجيم، وفائدة إيراد هذه الرواية أنها أصرح في المقصود من الرواية الأولى، لاحتمال قوله: «لا يحمل الخبث» أنه يضعف عن حمل الخبث، فلا يَحْتمل وقوعه فيه، بل ينجسه، وهذا وإن كان احتمالًا ضعيفًا إلا أن بعض العلماء ذكره، لكن هذه الرواية مفسرة للمراد، وترد على من فهم أن المراد أنه يضعف عن حمل النجاسة.
الوجه الرابع: الحديث بمنطوقه دليل على أن الماء الكثير - وهو ما بلغ قلتين فأكثر - إذا وقعت فيه نجاسة، فإنه لا ينجس سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا المنطوق بهذا العموم لا يصح، لما تقدم من نقل الإجماع على أن الماء إذا غيرته النجاسة نَجِسَ مطلقًا، سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.
ودل الحديث بمفهومه على أن القليل وهو ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، سواء أتغير أم لم يتغير، وهذا الحكم هو المخالف لحكم المنطوق، لكنه لا يؤخذ على عمومه؛ لأنه لا يشترط أن يكون حكم المفهوم
_________________
(١) "الأم" (١/ ١٨)، "الإيضاح والتبيان" ص (٧٩ - ٨٠)، "مجلة البحوث الإسلامية" عدد (٥٩) ص (١٨٤).
[ ١ / ٣٩ ]
مخالفًا للمنطوق من كل وجه، بل تكفي المخالفة ولو في صورة واحدة من صور العموم، وهذا معنى قولهم: (المفهوم لا عموم له)، وعلى هذا فلا يلزم أن كل ما لم يبلغ القلتين ينجس. فما تغير فحكمه تقدم، وما كان أقل من القلتين ولم يتغير فظاهر حديث أبي سعيد المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» أنه طهور، فيقدم المنطوق على هذا المفهوم، لكن ما دون القلتين يستفاد من حديث القلتين، فيكون محل نظر وتأمل فيحتاج إلى عناية، لئلا يتساهل به؛ لأنه مظنة التأثر بالنجاسة، فما ظهرت فيه النجاسة بتغير طعمه أو لونه أو ريحه تُرك، أو كان مظنة التأثر، كما في حديث ولوغ الكلب الآتي - إن شاء الله ـ، وإن كان لا يتأثر لكثرته أو لعدم ظهور النجاسة فيه - وإن كان قليلًا - فهو طهور.
وهذا قول الإمام مالك، وأحمد في أحد قوليه، والظاهرية، وجمع من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم؛ وهو الراجح من حيث الدليل؛ لأن المفهومات لا تعارض المنطوقات الصريحة؛ لأن المفهوم محتمل، والمنطوق الصريح لا يحتمل، ولإجماع أهل العلم على أن الماء إذا تغيرت أوصافه بالنجاسة فهو نجس، فبقي ما عدا ذلك تحت العناية كما مضى؛ وبذلك تجتمع الأخبار (^١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن سؤر الدواب والسباع لا يخلو في الغالب عن نجاسة؛ لأن المعتاد من السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول، وقد لا تخلو أعضاؤها من التلوث بأبوالها ورجيعها، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "التمهيد" (٢٤/ ١٧)، "إعلام الموفعين" (١/ ٣٩١)، "مختصر الفتاوى السعدية" ص (١١)، "فتاوى ابن باز" (١٠/ ١٥).
[ ١ / ٤٠ ]