١٠١/ ١٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إِنّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ». رَوَاه الدّارَقُطْنِيُّ وَصَحّحَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن عدي (٣/ ٣٣٢)، والدارقطني (١/ ٥٦) من طريق سلمة ابن رجاء، عن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.
وقال الدارقطني: (إسناده صحيح)، وذكره ابن دقيق العيد في «الإلمام» (^١)، ونقل الحافظ تصحيح الدارقطني (^٢).
وسلمة بن رجاء التميمي الكوفي مختلف فيه، فقال فيه ابن معين: (ليس بشيء)، وقال النسائي: (ضعيف)، وقال أبو زرعة: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (ما بحديثه بأس) (^٣)، وقال ابن عدي: (أحاديثه أفراد وغرائب، حدث بأحاديث لا يتابع عليها) (^٤)، وذكر الحافظ في «المقدمة»: أن له حديثًا واحدًا في البخاري في «الفضائل» (^٥).
والظاهر أنه لا بأس به، فإنه في هذا الحديث وافق غيره، كما في حديث سلمان المتقدم وغيره من الأحاديث التي ذكر فيها النهي عن الاستنجاء
_________________
(١) ص (٩٩).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٥٦).
(٣) "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٢٧).
(٤) "الكامل" (٣/ ٣٣٢).
(٥) "هدي الساري" ص (٤٠٧).
[ ١ / ٤٠٥ ]
بالعظم والروث، والحسن بن فرات قال عنه الحافظ: (صدوق يهم)، وقد ذكر الدارقطني في «العلل» (٨/ ٢٣٩) أنه وهم في هذا الحديث بزيادة (إنهما لا يطهران) وقد روى الدارقطني هذا الحديث من طريق نصر بن حماد، ثنا شعبة، عن فرات، عن أبي حازم به، بدونها. ونصر بن حماد ضعيف.
الوجه الثاني: الحديث دليل على النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقد علل لذلك بأنهما لا يطهران، مع أن الدارقطني قد حكم بزيادتها، وقد تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ التعليل بأنهما طعام الجن، وتقدم تعليل الروثة - أيضًا - بأنها ركس.
والتعليل بعدم التطهير في الروثة عائد إلى كونها ركسًا، وأما في العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البِلَّةَ، ومثل ذلك الزجاج الأملس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الاستنجاء بالأحجار يطهر طهارة لا يلزم معها الماء، وليس مزيلًا فقط؛ لأنه علل بأن العظم والروث لا يطهران؛ فدل على أن الحجارة وما في معناها يطهر، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، ويؤيد ذلك حديث ابن مسعود المتقدم، فإنه ﷺ طلب أحجارًا ولم يطلب ماء، وكذا حديث سلمان المتقدم، وشرط ذلك الإنقاء، فإذا أنقى المحل بثلاثة أحجار فأكثر أجزأ، ولا يلزم الاستنجاء بالماء، فإن ضم إليه الماء من باب الطهارة والنظافة فهو أكمل.
وكذا لو تعدى الخارج موضع العادة بيسير بحيث لا يمكن التحرز منه، فإنه يجزئ الاستجمار.
لكن إن انتشر بحيث يخرج عما جرت العادة به، بأن انتشر الخارج على شيء من الصفحة أو يمتد إلى الحشفة امتدادًا غير معتاد، ففي إجزاء الاستجمار، قولان:
الأول: أنه لا بد من غسله بالماء وعدم الاكتفاء بالاستجمار، وهو قول
[ ١ / ٤٠٦ ]
الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١)؛ لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله؛ لتكرر النجاسة فيه، فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل، أشبه الساق والفخذ، وقد أخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: (إنهم كانوا يبعرون بعرًا، وأنتم تَثْلِطُونَ ثلطًا فأتبعوا الحجارة الماء) (^٢)، لكن عند الحنفية لا يلزم الماء، بل يجزئ أيُّ مائع طاهر مزيل.
والقول الثاني: أنه يجزئ الاستجمار في الصفحتين والحشفة، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعموم الأدلة بجواز الاستجمار، ولم ينقل عنه ﷺ في ذلك تقدير (^٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٣٩)، "البحر الرائق" (١/ ٤١٩)، "حاشية الدسوقي" (١/ ١١٢)، "المجموع" (٢/ ١٤٢)، "الإنصاف" (١/ ١٠٥).
(٢) أخرجه البيهقي (١/ ١٠٦)، وذكره الزيلعى فى "نصب الراية" (١/ ٢١٩)، وقال عنه: "إنه جيد".
(٣) انظر: "الاختيارات" ص (٩٠).
[ ١ / ٤٠٧ ]