١٦/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ: «لَا تَشْرَبُوا فِي انِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّهَا لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هذا الحديث محله كتاب الأطعمة والأشربة، لكن ذكره الحافظ - كغيره - في هذا الباب لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة؛ لأنه استعمال لهما.
والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي ﵁، واسم اليمان: حُسيل، كما ورد في صحيح مسلم، أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، كما روى ذلك مسلم أيضًا (^١)، وشهدا غزوة أحد، فقتل المسلمون أباه لأنهم لم يعرفوه (^٢)، وذكر ابن إسحاق أن حذيفة تصدق بدية أبيه على المسلمين.
روى حذيفة ﵁ كثيرًا عن النبي ﷺ وقال: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وكان يسمى صاحب السر لأن النبي ﷺ أَسرَّ إليه بأسماء المنافقين، الذين أرادوا المكر بالنبي ﷺ في مرجعه من تبوك، شهد حذيفة غزوة الخندق وما بعدها، وفتوح العراق، واستعمله عمر ﵁ على المدائن، فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين، بعد مقتل عثمان ﵁
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١٧٨٧).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٦٥).
[ ١ / ٧٩ ]
بأربعين ليلة (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأطعمة» باب «الأكل في إناء مُفَضَّض» (٥٤٢٦) قال: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في انية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» هذا لفظ البخاري، وفيه (ولنا) بدل (لكم) وقد جاء في رواية أخرى للبخاري في «اللباس» بلفظ: «لكم» (٥٨٣٠، ٥٨٣٣).
وأخرجه مسلم (٢٠٦٧) (٥) من طريق ابن أبي ليلى بلفظه في «اللباس»، ولم يذكر «لكم في الآخرة»، لكن وردت من طريق ابن عكيم عن حذيفة (٢٠٦٧) (٤) في «اللباس» أيضًا.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تشربوا) الخطاب للرجال الحاضرين، ويدخل فيهم كل من يتأتى له الخطاب من الرجال والنساء.
قوله: (في صحافها) الصحاف: جمع صحفة، وهي الإناء الذي يشبع الخمسة (^٢)، والظاهر أن هذا غير مراد هنا، فإن الصحفة التي لا تكفي إلا واحدًا يحرم أن تكون من الذهب والفضة - أيضًا ـ.
قوله: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) جملة تعليلية لما تقدم، والضمير (لهم) للكفار وإن لم يتقدم لهم ذكر، لكنه مفهوم من السياق، كقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:
_________________
(١) "الاستيعاب" (٢/ ٣١٨)، "الإصابة" (٢/ ٢٢٣، ٢٤٦).
(٢) نقله في "اللسان" عن الكسائي.
[ ١ / ٨٠ ]
٣٢] أي: الشمس، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أي: الأرض، والمعنى: أن الكفار هم الذين يستعملون أواني الذهب والفضة في الدنيا؛ لأنه ليس عندهم دين يمنعهم من ذلك، وليس المراد إباحتها لهم؛ لأن الكفار لا يجوز لهم التمتع بنعم الله وهم على كفرهم، فأنتم أيها المسلمون منهيون عن التشبه بهم، وستكون لكم في الآخرة مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويُمنعُها أولئك جزاء لهم على معصيتهم في الدنيا، وقد ورد في حديث البراء بن عازب ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، ومنها: «وعن الشرب في الفضة، فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة» (^١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب في انية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة، وانية أهل الجنة الذهب والفضة» (^٢)، وهذه هي العلة من تحريم استعمال أواني الذهب والفضة على المسلمين، وهي علة منصوص عليها، لكن أضاف العلماء عللًا أخرى منها:
١ - أنها وسيلة إلى الخيلاء والتكبر.
٢ - أن فيها كسرًا لقلوب الفقراء.
وهي علل فيها نظر، قال ابن القيم: (والصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة) (^٣).
الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وهذا النهي للتحريم، والعلة في ذلك التشبه بالكفار، قال
_________________
(١) الحديث أصله في "الصحيحين"، لكن انفرد مسلم بهذه الزيادة (٢٠٦٦).
(٢) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٠٠)، قال الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٩٧٠): (بسند قوي).
(٣) "زاد المعاد" (٤/ ٣٥١).
[ ١ / ٨١ ]
شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهًا بالكفار) (^١).
وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء، سواء أكان الإناء ذهبًا خالصًا أم مخلوطًا بذهب، وسواء أكان فضة خالصة أم مخلوطًا بها، لما ورد من طريق يحيى بن محمد الجاري: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (^٢).
الوجه الخامس: اختلف العلماء هل تحريم أواني الذهب والفضة مختص بالأكل والشرب كما هو ظاهر الحديث، أو أنه عام في جميع وجوه الاستعمال؟ فالجمهور من أهل العلم على تحريم جميع وجوه الاستعمال، قال القرطبي: (الحديث دليل على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل: التطيب والتكحل، وما شابه ذلك، وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا ..) (^٣)، قالوا: لعموم الحديث، وشمول المعنى الذي حرم بسببه، وإنما فُرِّقَ بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد منهن من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم.
قالوا: وخُصَّ في الحديث ذكر الأكل والشرب لأن هذا هو الأغلب استعمالًا، وما عُلِّقَ به الحكم لكونه أغلب فإنه لا يقتضي تخصيصه به، وإذا
_________________
(١) "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/ ٣٢٢).
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠)، والبيهقي (١/ ٢٨)، وقال الدارقطني: (إسناده حسن). وحسن إسناده الشيخ عبد العزيز بن باز -رحم الله الجميع-، وقال الحافظ في "فتح الباري" (١٠/ ١٠١): (هذا معلول بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده ..) ويحيى، قال البخاري عنه: (يتكلمون فيه)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٥٩)، وقال: (يُغْرِب)، وقال ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٢٦): (وليس بحديثه بأس). وأورد الذهبي هذا الحديث في "الميزان" (٤/ ٤٠٦) في ترجمة يحيى، وقال: (هذا حديث منكر، أخرجه الدارقطني، وزكريا ليس بالمشهور).
(٣) "المفهم" (٥/ ٣٤٥).
[ ١ / ٨٢ ]
نُهي الإنسان عن الأكل والشرب - وهما أكثر حاجة - فما دونهما من وجوه الاستعمال من باب أولى.
ويرى اخرون (^١) منهم: الصنعاني (^٢) والشوكاني (^٣) والشيخ محمد بن عثيمين (^٤): أن التحريم خاص بالأكل والشرب، وأما استعمال الأواني في غير الأكل والشرب كالتطيب والتكحل والوضوء والغسل ونحوها فهو جائز، وهؤلاء أخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: لأن النبي ﷺ نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب فيها، فدل على أن ما عداهما جائز، ولو أراد عموم الاستعمال لنهى عنه، ولم يخصَّ ذلك بالأكل والشرب، قالوا: لأن الأكل والشرب فيهما هو مظهر الفخر والخيلاء في الغالب.
كما استدلوا بما ورد عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهِب قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي ﷺ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخْضَبَهُ، فاطلعتُ في الجلجل فرأيت شعراتٍ حُمْرًا) (^٥)؛ فهذا استعمال لآنية الفضة في غير الأكل والشرب، وأم سلمة هي راوية الحديث، كما سيأتي إن شاء الله.
قال الشوكاني: (وقياس سائر الاستعمالات على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب، هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بانية من فضة، وذاك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه (لما رأى رجلًا متختمًا بخاتم من ذهب، فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟» أخرجه الثلاثة من حديث بريدة ..) (^٦).
_________________
(١) ذكر الحافظ هذا القول ولم ينسبه لأحد. "فتح الباري" (١٠/ ٩٧).
(٢) "سبل السلام" (١/ ٤٩).
(٣) "نيل الأوطار" (١/ ٨٣).
(٤) "الشرح الممتع" (١/ ٦٢).
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٩٦)، والمخضب -بكسر الميم- إناء، والجلجل -بجيمين مضمومتين-: هو شبه الجرس، تنزع منه الحصاة التي تتحرك، فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته. ["فتح الباري" (١٠/ ٣٥٣)].
(٦) "نيل الأوطار" (١/ ٨٣).
[ ١ / ٨٣ ]
وهذا القول، وإن كان فيه وجاهة، لكن الورع والاحتياط اجتناب أواني الذهب والفضة بجميع وجوه الاستعمال، سواء أكان للأكل أم للشرب أم لغيرهما من وجوه الاستعمال، كالوضوء والغسل والادهان والتطيب وغير ذلك، أخذًا بعموم المعنى والعلة، كما تقدم، ورجح هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي (^١)، كما رجحه الشيخ العلامة الأثري عبد العزيز بن باز، وقال: (إن هذا هو الصواب).
وحديث أم سلمة واقعة عين يطرقها الاحتمال، فمن ذلك أنه يحتمل أن الإناء كان مموهًا بفضة لا أنه كله فضة، ومنها أنه إناء صغير جعل فيه شعرات، ومثل ذلك لا يكون كبيرًا، ومنها أن الرواة اختلفوا في لفظه، هل هو بالقاف (من قَصَّة) أو بالفاء (من فضة) وإن كان الحافظ قال: إن الصحيح عند المحققين أنه بالفاء (^٢)، والمقصود أن أحاديث النهي أقوى من ذلك، فالأخذ بها أحوط وأبرأ للذمة، والله ولي التوفيق.
_________________
(١) انظر: "الأجوبة النافعة" ص (٩٢).
(٢) "فتح الباري" (١٠/ ٣٥٣).
[ ١ / ٨٤ ]