١٧/ ٢ - عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لعل الحافظ أورده مع أن الحكم مأخوذ من الحديث الذي قبله، لما فيه من الوعيد الشديد، والعذاب الغليظ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة، القرشية المخزومية ﵂ مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، أسلمت قديمًا، وزوجها أبو سلمة، وكان ابن عمة رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة، فمات عنها بعد غزوة أحد، وكانت تحبه، وهو ابن عمها، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. وهي التي روت هذا الحديث، كما أخرجه مسلم في صحيحه (^١) تقول: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ. فخطبها ﷺ بعد انقضاء عدتها، وتزوجها في السنة الرابعة من الهجرة، توفيت في المدينة سنة اثنتين وستين، وهي اخر زوجات النبي ﷺ موتًا، ﵅ جميعًا (^٢).
_________________
(١) رقم (٩١٨).
(٢) "الاستيعاب" (١٣/ ١٧٢)، "الإصابة" (١٣/ ١٦١).
[ ١ / ٨٥ ]
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأشربة» (٥٦٣٤) باللفظ المذكور من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، وهو يروى عن خالته (^١)، وأخرجه مسلم (٢٠٦٥) ولفظه: «الذي يشرب في انية الفضة ..» وأخرجه - أيضًا - من طريق علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عبد الله العمري، عن نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، ولفظه: «إن الذي يأكل ويشرب في انية الفضة والذهب». قال الإمام مسلم ﵀: (وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر)، وعلي بن مسهر تقدم توثيقه عن أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم (^٢)، فتكون هذه الزيادة شاذة من جهة الرواية، وإن كانت صحيحة من جهة المعنى، وقد أخرج مسلم حديث أم سلمة من طريق عثمان بن مرة، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن خالته أم سلمة، قالت: (قال رسول الله ﷺ: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم») (^٣).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنما يجرجر) يجرجر: بضم الياء وفتح الجيم وسكون الراء، ثم جيم مكسورة ثم راء، من الجرجرة وهي: صوت وقوع الماء في الجوف، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه، إذا جرعه جرعًا متتابعًا يسمع له صوت.
قوله: (نار جهنم) يجوز نصبه ورفعه، أما النصب - وهو المشهور - فعلى أنه مفعول (يجرجر) باعتبار أنه فعل متعد بمعنى: يتجرع، ويؤيد ذلك رواية عثمان بن مرة، كما تقدم، بلفظ: «فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم» والمعنى: أن من شرب بانية الفضة فكأنما يتجرع في بطنه نار جهنم، كقوله
_________________
(١) ذكر الحافظ في "فتح الباري" (١٠/ ٩٨) أنه ثقة، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث.
(٢) انظر: شرح الحديث "العاشر" من باب "المياه".
(٣) رقم (٢٠٦٥) (٢).
[ ١ / ٨٦ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
وأما الرفع، فعلى أنه فاعل (يجرجر) باعتبار أنه فعل لازم، والمعنى: أن النار تصوت في بطنه، من قولهم: جرجرت النار، إذا صوتت، أي: صار لها صوت.
قوله: (جهنم) أي: النار العظيمة، البعيدة القعر - أعاذنا الله منها - وهي اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة.
سميت بذلك إما لبعد قعرها، من قولهم: بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهي الغلظة، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب، فتكون ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي.
الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الشرب في انية الفضة وأن ذلك من كبائر الذنوب، لقوله: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، وقد دل الحديث بمفهوم الأَوْلَى على تحريم الشرب في الذهب؛ لأنه أعظم من الفضة؛ لكونه أضيق استعمالًا منها، فإنه يجوز منها ما لا يجوز من الذهب؛ كالخاتم للرجل يجوز من الفضة ولا يجوز من الذهب.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وأن من شرب في انية الفضة وجرجر الماء في جوفه فإنه سيجرجر يوم القيامة نار جهنم في بطنه، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، والله أعلم.
[ ١ / ٨٧ ]