٦١/ ٤ - عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسّالٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ، إلاّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ، وَنَومٍ. أَخْرَجَهُ النّسَائِيّ، وَالتّرْمِذِيّ وَاللّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحّحَاهُ.
٦٢/ ٥ - وَعَنْ عَليّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: جَعَلَ النبيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَلَيَالِيَهُنّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلمُقِيمِ. يَعْنِي: فِي المَسْحِ على الْخُفّيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو صفوان بن عَسّال - بمهملتين مُثَقَّل - المرادي ﵁، صحابي مشهور، سكن الكوفة، روى عن النبي ﷺ أحاديث، منها حديثه الطويل في المسح على الخفين، وفضل طلب العلم، والمحبة، وآخر وقتٍ تقبل فيه التوبة، وهو مشهور، وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، روى عنه جماعة، منهم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الحديث الأول فقد أخرجه الترمذي (٩٦) أبواب «الطهارة» باب «المسح على الخفين للمسافر والمقيم»، والنسائي (١/ ٨٣)، وابن خزيمة
_________________
(١) "الاستيعاب" (٥/ ١٤٠)، "الإصابة" (٥/ ١٤٨)، "تهذيب التهذيب" (٤/ ٣٧٦) (٦/ ٢٤).
[ ١ / ٢٥٧ ]
(١٩٦) من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن صفوان بن عسال ﵁ به، قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح … قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري ـ: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال) (^١).
ومدار الحديث عند هؤلاء على عاصم بن أبي النجود، وفي حفظه ضعف، وحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، ولا يرقى إلى درجة الصحة، قال في «التقريب»: (صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون)، لكنه لم ينفرد به فقد تابعه طلحة بن مصرف، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهما، وهذه المتابعات فيها مقال، لكنها تقوّي الحديث بمجموعها، والمراد تقوية أصل الحديث - كما قال الحافظ - (^٢) لأنه في الأصل حديث طويل مشتمل على فضل طلب العلم، وعلى أن المرء مع من أحب، والتوبة، والمسح، وبعض هذه المتابعات ليس فيها ذكر المسح.
والظاهر أن تصحيح الترمذي له إنما هو بالنظر إلى طرقه، فإنه قال: (وقد روي هذا الحديث عن صفوان بن عسال أيضًا من غير حديث عاصم) (^٣).
والحديث صححه بالإضافة إلى من تقدم: ابن خزيمة - كما في «البلوغ» ـ، وابن حبان (^٤)، والخطابي (^٥)، والنووي (^٦)، وابن حجر (^٧)، قال ابن دقيق العيد: (إنه رواه عن عاصم أكثر من ثلاثين من الأئمة، وهو مشهور من حديث عاصم) (^٨)، وقد ساق الترمذي الحديث بطوله في كتاب «الدعوات» من «جامعه» (^٩).
أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٧٦) من طريق
_________________
(١) انظر: "العلل الكبير" (١/ ١٧٥، ١٧٦).
(٢) "التلخيص" (١/ ١٦٦).
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ١٦٢).
(٤) "صحيح ابن حبان" (٤/ ١٤٧).
(٥) "معالم السنن" (١/ ١١٨).
(٦) "المجموع" (١/ ٤٧٩).
(٧) "فتح الباري" (١/ ٣٠٩).
(٨) "نصب الراية" (١/ ١٨٣).
(٩) برقم (٣٥٣٥، ٣٥٣٦).
[ ١ / ٢٥٨ ]
شريح بن هانئ، قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ؛ فسألناه، فقال: … فذكر الحديث، دون قوله: (يعني في المسح على الخفين) فهي مدرجة، والظاهر أنها من كلام الحافظ ابن حجر.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (كان يأمرنا) أي: يبيح لنا، فالأمر هنا للإباحة، لا لأصله، وهو الوجوب، والصارف له عن الوجوب هو الإجماع على أن المسح مباح لا واجب.
قوله: (إذا كنا سَفْرًا) بفتح السين وإسكان الفاء، وهو اسم جمع لمسافر، أي: مسافرين، وليس جمعًا، إذ ليس في الجموع ما هو على وزن (فَعْل) وهو في الأصل مصدر: سَفَر الرجل سفْرًا، من باب ضَرَبَ ضربًا فهو سافر، والجمع سَفْر، مثل: راكب ورَكْب.
قوله: (إلا من جنابة) أي: فننزعها ولو قبل مرور ثلاثة أيام، والجنابة: إنزال المني، سمي بذلك لأن المني بَعُدَ عن محله وانتقل عنه، والجنابة في الأصل: البعد.
قوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) لكن: للاستدراك؛ لأنه تقدم نفي واستثناء، وهو قوله: (كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة)، أي: ننزعها من جنابة، ثم قال: (ولكن من غائط ..) فاستدركه بـ: لكن؛ ليعلم أن الرخصة إنما جاءت في هذا النوع من الأحداث دون الجنابة، والمعنى: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم إلا إذا مرت المدة المقدرة، وفي لفظ للنسائي: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة) (^١)؛ أي: لكن ننزع من جنابة، فالاستثناء منقطع، أو معنى قوله: (من غائط وبول …)؛
_________________
(١) "سنن النسائي" (١/ ٨٣ - ٨٤).
[ ١ / ٢٥٩ ]
أي: من كل حدث إلا من جنابة، فالاستثناء متصل (^١).
قوله: (جعل) أي: شرع وقدر.
الوجه الرابع: دل الحديثان على أن المسح على الخفين مؤقت غير مطلق، وأن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، والمقيم يومًا وليلة، وهذا قول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
والتفريق بين المسافر والمقيم مراعاة لحال السفر وما فيه من المشقة، فاحتاج المسافر إلى زيادة المدة بخلاف المقيم، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج في أحكامها عامة، وفي العبادات خاصة، وهذا - أعني توقيت المسح - هو الشرط الثاني من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا، وقد مضى الشرط الأول وهو أن يكون لابسًا لهما على طهارة، كما في حديث المغيرة.
الوجه الخامس: دل حديث صفوان بن عسال على أن المسح على الخفين خاص بالحدث الأصغر، كالنوم والبول والغائط، وأما الحدث الأكبر كالجنابة فلا يمسح فيه، فإذا حصل للإنسان جنابة وعليه الخفان وجب عليه نزعهما وغسل رجليه ولو كان ذلك في أثناء مدة المسح، وهذا هو الشرط الثالث من شروط صحة المسح على الخفين، وهو أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، وهذا الشرط مأخوذ من حديث صفوان هذا، وهذه الشروط الثلاثة مأخوذة من أحاديث الباب.
وبقي الشرط الرابع، وهو أن يكون الخفان وما في معناهما كالجوارب طاهرين، فإن كانت نجسة لم يمسح عليهما، لما ثبت أن الرسول ﷺ خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل بأن فيهما أذى.
الوجه السادس: اختلف العلماء في ابتداء مدة المسح على أقوال، أهمها قولان:
_________________
(١) "حاشية السندي على النسائي" (١/ ٨٤).
[ ١ / ٢٦٠ ]
الأول: أن مدة المسح تبدأ من أول مرة يمسح، وليس من لبس الخف، ولا من الحدث بعد اللبس، لقوله: (يمسح المقيم يومًا وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام) فهذا وغيره كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه ماسح إلا بفعل المسح، وهذا قول الأوزاعي، وأبي ثور، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، واختاره ابن المنذر (^٢)، قال النووي: (وهو المختار الراجح دليلًا) (^٣)، وقد روى عبد الرزاق عن أبي عثمان النهدي قال: حضرت سعدًا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليها إلى مثل ساعته من يومه وليلته (^٤).
وعلى هذا فيمسح المقيم أربعًا وعشرين ساعة تبدأ من أول مرة يمسح، والمسافر يمسح اثنتين وسبعين ساعة، فالعبرة بالزمن لا بعدد الصلوات.
والقول الثاني: أن المدة تبدأ من الحدث بعد اللبس، فإذا أحدث بدأت المدة، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومن يذهب من المالكية إلى تحديد المدة كابن عبد البر وبعض أهل المدينة (^٥)، قالوا: لأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها، ولأن ما بعد الحدث وقت يجوز له المسح فيه، فكان أول مدة المسح منه.
والقول الأول أرجح، كما تقدم؛ لأنه مؤيد بالأحاديث التي قدرت المدة بالمسح، فيجب أن يكون ابتداؤها من ابتداء المسح، ويؤيده فتوى عمر ﵁ كما تقدم، ولأن ما قبل المسح وبعد الحدث مدة لا تصح الصلاة فيها، فلما مسح صحت الصلاة، فينبغي أن يبدأ حساب المدة من وقت جواز الصلاة، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٤٨٧)، "الإنصاف" (١/ ١٧٧).
(٢) "الأوسط" (١/ ٤٤٣).
(٣) "المجموع" (١/ ٤٨٧).
(٤) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ٢٠٩) وإسناده صحيح على شرط الشيخين، كما قال الألباني.
(٥) "التمهيد" (١١/ ١٥٠ - ١٥٣)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٢٧١)، "المجموع" (١/ ٤٨٧)، "الإنصاف" (١/ ١٧٧).
[ ١ / ٢٦١ ]