٢٢/ ٧ - عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأصْحَابَهُ تَوَضَّأُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ﵁، أسلم عام خيبر، وكان صاحب راية خزاعة عام الفتح، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، بعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى البصرة ليفقه أهلها، ومات فيها سنة اثنتين وخمسين (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
الظاهر أن الحافظ يقصد بهذا الحديث ما أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «الصعيد الطيب وضوء المسلم» (٣٤٤) من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران، وما أخرجه مسلم في «قضاء الصلاة الفائتة» (٦٨٢) من طريق سلم بن زرير العطاردي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، عن عمران …، وهو كما قال الحافظ: (حديث طويل)، لكن ليس فيه أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وأنا أذكر الحديث بتمامه لفائدته، قال عمران: (كنا في سفر مع النبي ﷺ وإنا أسرينا، حتى إذا كنا في اخر الليل وقعنا وقعة، لا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء،
_________________
(١) "الاستيعاب" (٩/ ١٩)، "الإصابة" (٧/ ١٥٥).
[ ١ / ٩٨ ]
فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يُوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلًا جليدًا - فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير - أو لا يضر - ارتحلوا»، فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلانًا - كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوف - ودعا عليًا، فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مَزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة، ونَفَرْنا خلوفًا، قالا لها: انطلقي إذًا، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ، قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه الحديث، قال: «فاستنزِلوها عن بعيرها»، ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما، وأطلق العَزَالى (^١)، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان اخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أُقْلِعَ عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلأةً منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ: «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيق وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو
_________________
(١) بفتح العين والزاي، واللام يجوز كسرها وفتحها، جمع عزلاء، وهي مصبُّ الماء من الراوية، ولكل مزادة عزلاوان أسفلها. "فتح الباري" (١/ ٤٥٢).
[ ١ / ٩٩ ]
الذي أسقانا»، فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بأصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقًا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصِّرْم (^١) الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام).
فهذا السياق كما ترى ليس فيه أنه ﷺ توضأ من المزادة، لكن ورد في سياقه عند البيهقي (١/ ٢١٨، ٢١٩): (فمضمض في الماء فأعاده في أفواه المزادتين أو السطيحتين ..) قال الألباني: (إسناده صحيح) (^٢).
فهذا يدل على استعماله ﷺ لمزادة المشركة، فيدل على طهارة انية الكفار، وأما الوضوء فلعل الحافظ قصد به كونهم ملأوا قربهم وإداواتهم، ومن ضمن استعمالاتهم للماء الوضوء به، والله أعلم.
وقد كثر ورود الحديث في كتب الفقه بهذه الصيغة التي ذكر صاحب «البلوغ»، وقد ذكرها المجد في «المنتقى»، ولم يتكلم عنها الشوكاني بشيء (^٣)، أما ابن دقيق العيد فقد ساق طرفًا من حديث عمران من قوله: (ودعا النبي ﷺ بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين ..) (^٤).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إن النبي ﷺ وأصحابه) قَصَد بذلك دفع توهم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ.
قوله: (توضأوا) تقدم سياق الحديث، وأنه ليس فيه ذلك صراحة، لكن
_________________
(١) بكسر المهملة، الأبيات المجتمعة من الناس.
(٢) "إرواء الغليل" (١/ ٧٤).
(٣) انظر: "نيل الأوطار" (١/ ٨٨).
(٤) "الإلمام" رقم (١٦).
[ ١ / ١٠٠ ]
يؤخذ من كونهم فقدوا الماء، ثم حصل لهم ذلك - بفضل الله تعالى - من ماء المرأة المشركة، ومن ضمن استعمالهم له أنهم يتوضؤون منه.
قوله: (مزادة) بفتح الميم والمعجمة، هي الراوية، وهي قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمى أيضًا: السطيحة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز استعمال أواني المشركين، ما لم يتيقن فيها النجاسة، فإن الصحابة ﵃ استقوا من هذا الماء وشربوا، وهذا يدل على أنهم سيتوضأون منه.
الوجه الخامس: الحديث دليل على طهارة جلد الميتة بالدباغ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين، وذبائحهم ميتة.
الوجه السادس: جواز أخذ الإنسان من ماء غيره الذي حازه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لا سيما إذا كان الأخذ لا يضر صاحبه، فيجوز أن يأخذ ما يدفع عطشه ولو بالقوة؛ لأنه يدفع عن نفسه العطش، ولا يضر صاحبه، وهذا على تقدير أن المرأة لها عهد، وقيل: إنما أخذوا من مائها؛ لأنها كافرة حربية.
الوجه السابع: في الحديث معجزة ظاهرة من أعلام النبوة، فإن الله تعالى أنزل البركة في هذا الماء حتى شرب منه الناس واستقوا، وعادت المزادتان كما كانتا، وقد جاء في رواية الصحيحين: (فشربنا عطاشًا أربعون رجلًا حتى روينا، فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنا لم نسق بعيرًا، وهي تكاد تَنِضُّ من المِلْء) (^١)، أي: تسيل.
وعند مسلم: (تكاد تنضرج من الماء) أي: تنشق، قال ابن حجر: (قوله: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا» أي: ما نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة) (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٣٥٧١).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٤٥٣).
[ ١ / ١٠١ ]