٨/ ٨ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ ﵂. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
٩/ ٩ - ولأصْحَابِ السُّنَنِ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ ليَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ له: إنِّي كنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: «إنَّ الماءَ لَا يُجْنِبُ». وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي، وابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو العباس، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، حبر الأمة وفقيهها وترجمان القران، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (^١)، فأدرك علمًا كثيرًا، توفي رسول الله ﷺ وقد ناهز الاحتلام، ومات في الطائف سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: (اليوم مات ربانيُّ هذه الأمة) ﵁ (^٢).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه مسلم في أحاديث «الحيض» (٣٢٣) من طريق ابن جريج قال: (أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي، والذي يَخْطِرُ على
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٥٩ - ١٦٠)، وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١ - ١١٢) وغيرهما، وإسناده صحيح، وهو في الصحيحين مختصرًا، "فتح الباري" (١/ ٢٤٤).
(٢) "الاستيعاب" (٦/ ٢٥٨)، "تذكرة الحفاظ" (١/ ٤٠)، "الإصابة" (٦/ ١٣٠).
[ ١ / ٤٨ ]
بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره، أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة).
وقد أعله قوم؛ لهذا التردد من عمرو بن دينار؛ لأنه شك في الإسناد، فيسقط التمسك بالحديث.
والصحيح أن هذا غير مؤثر لأمرين:
الأول: أن هذا غالب ظن، لا شك، وأخبار الآحاد إنما تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضعف، ومثل هذه الصيغة لا تخرجه عن كونه معلومًا وإن كانت تشعر بأنه ليس حافظًا له كما ينبغي، ولهذا ذكره الحافظ في «البلوغ»، ولم يشر إلى ذلك.
الثاني: أن حديث ابن عباس قد أخرجه أصحاب السنن، كما ذكر الحافظ من طريق اخر - كما سيأتي - ومعناه هو معنى حديث عمرو بن دينار، وليس فيه شيء من ذلك التردد، والله أعلم (^١).
أما الحديث الثاني فقد أخرجه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، والنسائي (١/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٧٠)، وابن خزيمة (١/ ٥٧)، والحاكم (١/ ١٥٩) من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: … فذكره.
وقد أعله قوم بسماك بن حرب، وهو صدوق اختلط بأَخَرَةَ، فكان يقبل التلقين، وأجاب الحافظ بأنه رواه عن سماك شعبة - كما عند الحاكم (١/ ١٥٩) ـ، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيحَ حديثهم (^٢)، وقال في «تهذيب التهذيب»: (ومن سمع منه - أي سماك - قديمًا مثل شعبة وسفيان الثوري، فحديثهم عنه صحيح مستقيم) (^٣)، ولذا قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح في الطهارة، ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة)، ووافقه الذهبي.
_________________
(١) "المفهم" (١/ ٥٨٤).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٣٠٠).
(٣) "تهذيب التهذيب" (٤/ ٢٠٥).
[ ١ / ٤٩ ]
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (بفضل ميمونة) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها النبي ﷺ سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية، وبنى بها في (سَرِفَ) - موضع بينه وبين التنعيم ثلاثة أميال - وذلك بعد موت زوجها أبي رُهْم بن عبد العُزَّى، وهي اخر من تزوجها النبي ﷺ، وقد أثنت عليها عائشة ﵂ بقولها: (إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم) (^١)، توفيت بِسَرِفَ سنة إحدى وخمسين على أرجح الأقوال، ﵂.
قوله: (إني كنت جنبًا) تقدم أن الجنب: من أصابته جنابة بجماع أو إنزال، وهو لفظ يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد على الأفصح، وتثنيته لغة.
قوله: (إن الماء لا يجنب) يجوز في ضبطها فتح النون، من جَنَبَ يَجْنَبُ من باب فرح، أو ضمها من باب كَرُمَ، هذا إن جعلته من الثلاثي، ويجوز ضم الياء من الرباعي، يقال: أجنب الرجل: إذا أصابته جنابة، والمعنى: أن الماء لا تصيبه الجنابة، ورواية النسائي: «فإن الماء لا ينجسه شيء»، قال السندي: (وهي وِفْقُ تلك الرواية .. أي: إذا استعمل منه جنب أو محدث فلا يصير البقية نجسًا بجنابة المستعمل أو حدثه) (^٢).
الوجه الرابع: في هذا الحديث وما قبله دليل على جواز اغتسال الرجل بالماء الذي يبقى من غُسل المرأة، وأن هذا الاغتسال لا يؤثر في طهورية الماء؛ لأن الماء لا ينجس، وهذا الفعل من الرسول ﷺ لبيان التشريع، وهو دليل الجواز، فيكون ثبوت الفعل قرينة صارفة عن حمل النهي - فيما تقدم - على التحريم؛ لأنه ﷺ قد ينهى عن الشيء ثم يفعله، أو يأمر بالشيء ثم يتركه، وكل ذلك من باب بيان التشريع، وأن الأمر ليس للوجوب،
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١٣٨) وقال الحافظ في "الإصابة" (١٣/ ١٤٠): (هذا سند صحيح).
(٢) "حاشية السندي على النسائي" (١/ ١٧٣).
[ ١ / ٥٠ ]
وأن النهي ليس للتحريم، ولا يقال: إن هذا خاص بالنبي ﷺ، فلا يعارض فعله قوله الخاص بالأمة؛ لأن قوله: «إن الماء لا يجنب» و«الماء لا ينجسه شيء» يفيد أن ذلك غير مختص به ﷺ، ولأن صيغة (الرجل) في الحديث تشمله ﷺ بطريق الظهور، كما في الأصول.
وأما جواز اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد فيه دليل، لكنه مقيس على الجواز في حق الرجل من باب أولى، قال ابن عبد البر: (لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه، شَرَعَا جميعًا، أو خلا كل واحد منهما به، قال: وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، قال: والآثار في معناه متواترة، ثم ذكر حديث ابن عباس ..) (^١)، والله أعلم.
_________________
(١) "الاستذكار" (٢/ ١٢٩).
[ ١ / ٥١ ]