٢١/ ٦ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي انِيَتهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إلاَّ أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو ثعلبة الخشني، صحابي مشهور بكنيته، والخُشَني: بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون، نسبة إلى خُشين بن النَّمِر من قُضاعة، حذفت ياؤه عند النسب، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا (^١)، وذكر الحافظ أن الأكثر على أن اسمه جرثوم (^٢)، بايع أبو ثعلبة النبي ﷺ بيعة الرضوان، وضَرَب له بسهمه في خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، وهو من أهل البادية يعتمد الصيد، وله أسئلة مع النبي ﷺ، منها هذا السؤال عن انية أهل الكتاب، وبعده سؤال عن الصيد، نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين، وهو ساجد، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه البخاري في «كتاب الصيد» في ثلاثة مواضع منه، من طريق أبي إدريس الخولاني، عنه (٥٤٧٨)، (٥٤٨٨)، (٤٥٩٦)، وأخرجه مسلم في «أحاديث الصيد» (١٩٣٠).
والحديث روي عن أبي ثعلبة بعدة ألفاظ، من عدة طرق، في المسند
_________________
(١) انظر: "الإصابة" (١١/ ٥٤).
(٢) "فتح الباري" (٩/ ٦٠٦).
[ ١ / ٩٥ ]
والصحيحين والسنن، وقد اقتصر الحافظ على موضوع سؤاله عن الآنية، دون سؤاله عن الصيد بقوسه وبكلبه المعلم، واللفظ المذكور في الكتاب لم أجده في الصحيحين بلفظه هكذا، وأقرب الألفاظ إليه ما في البخاري في كتاب «الصيد»، باب «صيد القوس» (٥٤٧٨).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنا بأرض قوم أهل كتاب) أي: أنا وقبيلتي خُشين، والمراد بالأرض: الشام، وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، والظاهر أن المراد بهم - هنا النصارى ـ، وقد كان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام وتنصّروا، منهم: ال غسان، وتنوخ، وبَهْز، وبطون من قضاعة، منهم بنو خشين ال أبي ثعلبة.
قوله: (فاغسلوها) ظاهر الأمر الوجوب، والأمر بغسلها قبل استعمالها لظن نجاستها، لعدم ابتعادهم عن النجاسات من خمر ولحم خنزير ونحوهما، وسيأتي بيان ذلك.
قوله: (وكلوا منها) هذا أمر إباحة؛ لأنه جاء بعد الاستفهام في قوله: (أفنأكل في انيتهم؟) وبعد النهي في قوله: «لا تأكلوا فيها».
الوجه الرابع: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على السؤال عما يعنيهم، وما يشكل عليهم، وهذا هو الواجب على كل مسلم، فيسأل عن أمر دينه وعما يجهل، ليعبد الله على بصيرة، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
الوجه الخامس: الحديث دليل على اجتناب الأكل في أواني أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسات، وربما وضعوا فيها الخمر، وطبخوا فيها الميتة والخنزير.
وهنا تعارض الأصل، وهو (الأصل في الأشياء الطهارة) مع غلبة الظن؛ وهو هنا (عدم توقيهم النجاسة)، فرجحت غلبة الظن حيث قويت، ويؤيد ذلك لفظ أبي داود: (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير،
[ ١ / ٩٦ ]
ويشربون في انيتهم الخمر ..) (^١).
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز استعمال انية أهل الكتاب بالشرطين المذكورين في الحديث، وهما: ألا يوجد غيرها، وأن تغسل.
أما الشرط الأول: فالمقصود به التورع والاحتياط، فلا تستعمل أوانيهم ولو بعد غسلها إلا إذا لم يوجد غيرها.
وأما الشرط الثاني: فالمراد به حصول اليقين من طهارتها، والأمر بغسلها ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب، بدليل أن طعام أهل الكتاب حل لنا، كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وطعامهم يكون في أوانيهم، فدل ذلك على أنه لا يجب غسلها، ويكون ذلك هو الصارف للأمر في الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، إلا أن يوجد ما يوجب غسلها، كوجود خمر فيها، أو وجود ميتة مما ذبحوه بالخنق أو بالوقيذ، فتغسل لذلك، وعليه يدل لفظ أبي داود المتقدم، والله أعلم.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٣٨٣٩).
[ ١ / ٩٧ ]