٦/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
ولِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ».
ولِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ».
ولأبِي دَاوُدَ: «وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
الحديث أخرجه مسلم (٢٨٣) في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الاغتسال في الماء الراكد» من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ: …) فذكره، وتمامه: (فقال: كيف يعمل يا أبا هريرة؟ فقال: يتناوله تناولًا)، أي: يتناول منه فيغتسل خارجه؛ ولا ينغمس فيه.
واللفظ الثاني: أخرجه البخاري (٢٣٩) في كتاب «الوضوء» باب «البول في الماء الدائم»، وهو حديث مستقل غير الأول، أخرجه من طريق شعيب قال: أخبرنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: … فذكره. وأخرجه النسائي وأحمد
[ ١ / ٤١ ]
وغيرهما بلفظ: «ثم يتوضأ منه»، وسيأتي ذكره إن شاء الله.
واللفظ الثالث: أخرجه مسلم (٢٨٢) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه»، وكذا عند أبي داود (٦٩).
واللفظ الرابع: لأبي داود (٧٠) ولفظه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة»، وسيأتي - إن شاء الله - الفرق بين هذه الروايات.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا يغتسلْ) لا: ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها.
قوله: (أحدكم) الخطاب في الموضعين لجميع الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بصيغة خطاب المذكر تغليبًا، وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى.
قوله: (الماء الدائم) فسرته رواية البخاري: «الماء الدائم الذي لا يجري» أي: الثابت المستمر الذي لا ينتقل من مكانه بالجريان، كمياه البرك التي في البساتين، والغدران التي في البراري، ونحو ذلك، فتكون جملة: «لا يجري» تفسيرًا للدائم وإيضاحًا لمعناه، وقيل: إنها للتأسيس، واحترز بها عن راكد لا يجري بعضه، كالبرك ونحوها.
وقوله: (ثم يغتسل منه) برفع المضارع، وهو مع فاعله المستتر خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: ثم هو يغتسل فيه، والمعنى: لا يبولن فيه مع أن اخر أمره أن يغتسل فيه، فكيف يبول بما سيكون طهورًا له بعْدُ؟! ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي.
وأجاز ابن مالك الجزم على أن (لا) ناهية، والنصب على إظهار (أن)؛ وتكون (ثم) بمعنى (واو الجمع) (^١).
وقوله: (وهو جنب) أي: ذو جنابة، وهو من وجب عليه الغسل من جماع أو إنزال مني.
_________________
(١) انظر: "شواهد التوضيح" ص (١٦٤).
[ ١ / ٤٢ ]
والفرق بين رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه»، ورواية مسلم: «ثم يغتسل منه»، ورواية أبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» أن رواية البخاري تفيد النهي عن الاغتسال بالانغماس في الماء الذي بال فيه، أي: كيف يبول في ماء وهو يحتاجه للغسل أو غيره؟! ورواية مسلم تفيد النهي عن أن يتناول منه في إناء ويغتسل خارجه، وكل منهما تفيد ما تفيده الرواية الأخرى، فرواية (فيه) تدل على معنى الانغماس بالنص، وعلى منع التناول بالاستنباط، ورواية (منه) بعكس ذلك، وأما رواية أبي داود فتفيد النهي عن كل واحد من البول والاغتسال على الانفراد، بمعنى أنه لا يبول في الماء الدائم وإن لم يقصد الاغتسال منه، فحصل من مجموع الروايات أن الكل ممنوع، وذلك لأن البول أو الاغتسال في الماء الراكد يسبب تقذيره وتوسيخه على الناس ولو لم يصل إلى تنجيسه - كما سياتي إن شاء الله ـ، ومما يؤيد النهي عن البول على الانفراد حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ: (أنه نهى أن يبال في الماء الراكد) (^١).
الوجه الثالث: في الحديث دليل على النهي عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، لأن ذلك يلوث الماء بأوساخ وأقذار الجنابة، وأما اغتسال الجنب من الماء الدائم بأن يتناول منه بإناء أو بيده بعد غسلها فإنه غير داخل في هذا النهي، كما تقدم عن أبي هريرة ﵁، ومفهومه جواز الاغتسال من الجنابة في الماء الجاري.
الوجه الرابع: في الحديث دليل على النهي عن البول في الماء الدائم؛ لأن ذلك يقتضي تلوثه بالنجاسة والأمراض التي قد يحملها البول، فتضر كل من استعمل هذا الماء، بل ربما استعمله هذا البائل نفسه، ولا فرق في ذلك بين البول في الماء نفسه أو البول في إناء ثم صبه في الماء، وكذا إذا بال بقرب الماء بحيث يجري البول إليه، فكل ذلك مذموم قبيح منهي عنه.
ومفهومه جواز البول في الماء الذي يجري؛ لأن البول يجري مع الماء
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨١).
[ ١ / ٤٣ ]
ولا يستقر، لكن إن كان في أسفل الماء أحد يستعمله فلا يبولن فيه؛ لأنه يقذره عليه.
الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون الماء الدائم قليلًا أو كثيرًا، ولا وجه للتفصيل، بأنه إن كان كثيرًا فالنهي للكراهة، وإن كان قليلًا فالنهي للتحريم، كما هو أحد الأقوال في المسألة؛ لأن الحديث لم يفصل، صحيح أن النهي في القليل آكد؛ لأنه أسرع تلوثًا وتغيرًا، لكن القول بأنه للكراهية في الكثير قد يؤدي إلى تساهل الناس في هذه الأمور، والواجب سَدُّ ما سده النبي ﷺ وحِمَى ما حماه، وهذه أمور مقاصدها ظاهرة ومصالحها بينة، فيؤخذ النهي على ظاهره، وهو التحريم ولو كان الماء كثيرًا، فإن جميع الروايات لم تحدد مقداره، وإنما وصفته بأنه دائم، أما الماء الكثير جدًا وهو المستبحر الذي لا يمكن أن يتأثر بالبول أو يتلوث بالاغتسال، كماء البحر فهو لا يدخل في النهي بالاتفاق، على ما ذكره ابن دقيق العيد (^١)، والله أعلم.
الوجه السادس: الظاهر أن تقييد الغسل بأنه من الجنابة خرج مخرج الغالب، فلا يفهم منه جواز الاغتسال في غير الجنابة، كإزالة الأوساخ - مثلًا ـ؛ لأنه إذا نُهي عن الاغتسال فيه من الجنابة مع حاجة الإنسان إلى ذلك - لكون الغسل من الجنابة هو الغالب - فغيره من الأغسال من باب أولى، ولأن تلوثه بالاغتسال من الأوساخ أشد من تلوثه باغتسال الجنابة.
الوجه السابع: أما حكم الماء المذكور فالصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة بالبول فيه أو الاغتسال فيه، ولا يلزم من النهي عن ذلك تنجيس الماء؛ لأنه ﷺ إنما نهى عن البول ثم الاغتسال، ولم يقل: إن الماء ينجس، فهو نهي عن الفعل ولم يتعرض للماء، ومثل ذلك لو قام من النوم وغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا فإنه لا ينجس، أخذًا بالأصل المتقدم: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وإن كان يأثم من أجل مخالفة النهي.
_________________
(١) "شرح العمدة" (١/ ١٢٧).
[ ١ / ٤٤ ]
الوجه الثامن: يلحق بالبول ما في معناه، كالتغوط بل هو أقبح، وكذا سائر المستقذرات لوجود العلة، وهي تلويث الماء وتقذيره على الناس، قال ابن قدامة: (وأكثر أهل العلم لا يفرقون بين البول وغيره من النجاسات) (^١).
الوجه التاسع: حكم الوضوء في الماء الراكد الذي بال فيه حكم الغسل، وقد ورد ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه» (^٢)، ولأن الغسل والوضوء مستويان في المعنى المقتضي للنهي، والله أعلم.
_________________
(١) "المغني" (١/ ٣٩).
(٢) أخرجه النسائي (١/ ٤٩)، وأحمد (١٦/ ٢٤٨)، وابن حبان (٤/ ٦٠، ٦١)، من طريق عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به، وهو حديث صحيح له طرق كثيرة، منها ما تقدم في هذا الباب. انظر: "بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن" (٢/ ١٧٣).
[ ١ / ٤٥ ]