٤٤/ ١٣ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيمُّن في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، وأولها في كتاب «الوضوء» باب «التيمن في الوضوء والغسل» (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨) (٦٧) من طريق أشعث بن سليم، عن أبيه (^١)، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (كان يحب التيمن في شأنه كله، في نعليه وترجله وطهوره).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يعجبه) أي: يسره ويرضيه، وفي لفظٍ: (يحب التيمن) وقد علمت عائشة حبه للتيمن إما بإخباره لها بذلك، أو بالقرائن، قال ابن بطال: (وبدؤه ﵇ بالميامن في شأنه كله - والله أعلم - هو على وجه التفاؤل من أهل اليمين باليمين؛ لأنه ﵇ (كان يعجبه الفأل الحسن» (^٢).
قوله: (التيمن) مصدر تيمن تيمُّنًا، مثل تعلَّم تعلُّمًا، والتيمن من الألفاظ المشتركة فيطلق على التبرك بالشيء من اليُمن - بضم الياء - وهو البركة،
_________________
(١) هو سليم بن أسود المحاربي الكوفي، أبو الشعثاء، مشهور بكنيته أكثر من اسمه.
(٢) "شرح صحيح البخاري" (١/ ٢٦٢)، والحديث المذكور أخرجه أحمد (٤١/ ٤٤٨)، وابن حبان (١٤٢٩) وغيرهما من حديث عائشة -﵂-، وهو حديث صحيح، له شواهد.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويطلق على الابتداء باليمين قبل الشمال، وهو المراد هنا، وورد في لفظ: (يحب التيمن ما استطاع) (^١) وهذا يفيد محافظته ﷺ على التيمن ما لم يمنع مانع - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وقد ورد - أيضًا - عند ابن حبان: (كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله) (^٢)، قال المُطَرِّزِي: (يامن وتيامن: أخذ جانب اليمين)، ثم ساق لفظ ابن حبان (^٣)، وقال الجوهري: (يقال: يامنْ يا فلان بأصحابك، أي: خذ بهم يمنةً، ولا تقل: تيامن بهم، والعامة تقوله) (^٤).
قوله: (في تنعله) التَّنَعُّلُ: لبس النعل، وهو مصدر تَنَعَّلَ، كالتقدُّم مصدر تقدَّم. قال في «مختار الصحاح»: (تقول: نَعَلَ وانتعل، أي: احتذى) (^٥)، وقد أَهمل المصدر، فلم يذكره، ولعله أُهمل اكتفاء بدلالة فعله عليه، وفي لفظ لمسلم: (في نعله) أي: في لبس نعله.
قوله: (وترجله) أي: تسريح شعره ودهنه وتجميله. تقول: رَجَّلْتُ الشعر ترجيلًا: سرحته. سواء أكان شعرك أم شعر غيرك، وترجلت: إذا كان شعر نفسك (^٦).
قوله: (وطُهوره) بضم الطاء، والمراد به فعل الطهارة في الوضوء والغسل، وأما بالفتح: فهو الماء الذي يتطهر به، كما تقدم.
ونقل ابن الأثير وغيره عن سيبويه: أن الطَّهور بالفتح يقع على الماء وعلى المصدر معًا (^٧)، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد: التطهُّر، كما مضى.
قوله: (وفي شأنه كله) هذا تعميم بعد تخصيص، والشأن: الأمر، أي:
_________________
(١) هذه الرواية عند البخاري (٤٢٦).
(٢) "صحيح ابن حبان " (٣/ ٣٧١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) "المُغرِّب" ص (٥١٢).
(٤) "الصحاح" (٦/ ٢٢٢٠).
(٥) "مختار الصحاح" ص (٦٦٨)، وانظر: "الصحاح" (٥/ ١٨٣١).
(٦) "المصباح المنير" ص (٢٢١).
(٧) "النهاية" (٣/ ١٤٧).
[ ١ / ٢٠١ ]
في جميع أموره، و(كله) تأكيد لهذا التعميم، لكن هذا العموم مخصوص بمثل دخول الخلاء والامتخاط والاستنجاء، وغير ذلك مما يكون باليسار، كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالرجل اليمنى في لبس النعل ومثلها الجوارب والخفاف، وكذلك لبس الثياب والسراويل فيبدأ بالكم الأيمن ثم الأيسر.
أما عند نزع النعل فإنه ينزع اليسرى أولًا؛ لأن الانتعال للرِّجْلِ أفضل من الحفاء، وكذا في نزع الثياب والسراويل، قال الخطابي: (إذا كان معلومًا أن لبس الحذاء صيانة للرجل ووقاية لها، فقد أعلم أن التبدية به لليمنى زيادة في كرامتها، وكذلك التبقية لها بعد خلع اليسرى) (^١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية البداءة بالجانب الأيمن من الرأس عند ترجيله، وكذا عند حلقه، فيعطي الحالق شقه الأيمن أولًا، ثم شقه الأيسر، وعلى هذا فالتيامن في الحلق منظور فيه إلى المحلوق لا إلى الحالق، وهو الأظهر، لما ورد في حديث أنس ﵁ في حجة النبي ﷺ وفيه: (ثم قال للحلاق: «خذ»، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ..) (^٢).
الوجه الخامس: مشروعية البداءة باليمين في الوضوء والغسل، فيغسل في الوضوء اليمنى من اليدين والرجلين قبل اليسرى، وفي الغسل يبدأ بغسل الشق الأيمن من البدن قبل الأيسر.
قال ابن المنذر: (وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه بدأ فغسل يده اليمنى ثم اليسرى في وضوئه، وكذا يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة) (^٣).
وقال النووي: (أجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، لو خالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه)،
_________________
(١) "معالم السنن" (٦/ ٧٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٠٥).
(٣) "الأوسط" (١/ ٣٨٦).
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقال: (ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان والكفان والخدان بل يغسلهما دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين، والله أعلم) (^١).
الوجه السادس: ظاهر الحديث مشروعية البداءة باليمين في كل شيء، لكن خصَّ العلماء ذلك فيما كان من باب التكريم، كالأخذ والإعطاء، ولبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد وميمنة المسجد، والانتعال، والأكل والشرب وهو واجب باليمين، والمصافحة، والاكتحال، والسواك، وحلق الرأس فيبدأ بالجانب الأيمن.
وما كان بخلاف ذلك فله اليسار كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب، والسراويل والخف.
وقد جاء من أدلة التخصيص حديث حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أن النبي ﷺ (كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك) (^٢).
وعن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) (^٣). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٦٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢)، وأحمد (٤٤/ ٦٢)، والطبراني (٢٣/ ٢٠٣) وهو من رواية أبي أيوب الأفريقي، وقد لينه أبو زرعة، ووثقه ابن حبان، وقال النووي: (إسناده جيد)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبى داود" (١/ ٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣)، وأحمد (٤٣/ ٣١٨) عن إبراهيم النخعي، عن عائشة -﵂-، وإسناده ضعيف؛ لأن إبراهيم لم يسمع من عائشة، كما فال المنذري في "مختصر أبي داود" (١/ ٣٤)، لكن قد يقويه حديث حفصة الذي قبله، وقد جاء من رواية إبراهيم، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، عن عائشة عند أبي داود (٣٤)، وأحمد (٤٣/ ٣١٧)، وقد صححه الألباني كما في "صحيح سنن أبي داود" (١/ ٩)، والظاهر أن ذكر الواسطة شاذ، والحديث من رواية إبراهيم عن عائشة -﵂-، وعليه فهو منقطع، كما صوبه الدارقطني في "العلل".
[ ١ / ٢٠٣ ]