٣٢/ ١ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وذكره البخاري تعليقًا.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٦٦) (١١٥) موقوفًا من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء)، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث يدخل في المسند (أي: المرفوع) لاتصاله من غير ما وجهٍ، ولما يدل عليه اللفظ) (^١)، أي: في قوله: (لأمرتهم).
وأخرجه مرفوعًا أحمد (١٦/ ٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٩١)، وابن خزيمة (١٤٠) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا كما في البلوغ.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد علّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب «الصيام» (٤/ ١٥٨ فتح)، ولفظه: «عند كل وضوء».
وأخرجه مالك (١١٤) ومن طريقه البخاري (٨٨٧)، والنسائي (١/ ١٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «عند كل صلاة»،
_________________
(١) "التمهيد" (٧/ ١٩٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
وأخرجه مسلم (٢٥٢) من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بنحوه، وليس عند مالك لفظة (عند كل صلاة)، والحديث له طرق متعددة في الصحاح والمسانيد والسنن (^١).
وقد ذكر الترمذي أن أحاديث السواك رواها جماعة من الصحابة ﵃، عَدَّ منهم - مع أبي هريرة - سبعة عشر، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة، وحذيفة، وزيد بن خالد، وغيرهم (^٢).
وقد ذكر العلماء أن أحاديث فعل السواك والحث عليه عند الوضوء وغيره بلغت حد التواتر، ذكر ذلك الكتاني، وذكر واحدًا وثلاثين صحابيًا رووا ذلك (^٣).
وقد ذكر الحافظ أحاديث السواك وتكلم عنها في «التلخيص» (^٤).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لولا) هذا حرف امتناع لوجود، أي: إنها تدل على امتناع شيء لوجود شيء اخر، وفي هذا الحديث تدل على امتناع إلزام النبي ﷺ أمته بالسواك عند كل وضوء لوجود المشقة عليهم بذلك.
قوله: (أن أشق) أي: أثقل عليهم، من المشقة وهي الشدة (^٥)، يقال: شق عليه، أي: ثقَّل، أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، والخبر محذوف وجوبًا، أي: لولا المشقة موجودة.
قوله: (على أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يمتثلون بفعل المأمور واجتناب المحظور، لا أمة الدعوة - وهم كل من كان موجودًا بعد بعثة النبي ﷺ.
_________________
(١) "التمهيد" (٧/ ١٩٤).
(٢) "جامع الترمذي " (١/ ٣٥).
(٣) "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" ص (٥٣).
(٤) انظره: (١/ ٧١).
(٥) "النهاية" (٢/ ٤٩١).
[ ١ / ١٣٩ ]
قوله: (لأمرتهم) أي: لألزمتهم، فالمراد بالأمر هنا: الإيجاب والإلزام؛ لأن المشقة لا تكون إلا مع الإلزام والإيجاب، أما الأمر الذي لا إلزام فيه - وهو المستحب - فلا مشقة فيه لجواز تركه، وعند النسائي من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء» (^١).
قوله: (بالسواك) السواك - بكسر السين ـ: اسم للعود الذي يستاك به من الأراك وغيره، ويقال: المسواك - بكسر الميم - ويطلق السواك على الفعل وهو التسوك، أي: دلك الفم بالمسواك لتنظيف الأسنان واللسان واللِّثَةِ، والمسواك مشتق من السَّوْكِ وهو الدلك، قال ابن دريد: (سُكت الشيء أسوكه سوكًا: إذا دلكته، ومنه اشتقاق المسواك …) (^٢)، ويجمع على سُوُك - بضم السين والواو - ككتاب وكتب، ويجوز تخفيفه بإسكان الواو، وفي السواك فوائد عظيمة، ذكرها ابن الملقن (^٣).
والمراد - هنا - الفعل لئلا يحتاج السياق إلى تقدير: (باستعمال السواك).
قوله: (مع كل وضوء)، وفي رواية: «عند كل وضوء» ومعناهما واحد، لأنهما ظرفان، والمراد بكل منهما: وقت فعل الوضوء، وهو يحتمل أن المراد قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ مباشرة، أو أن المراد أثناء الوضوء وذلك عند المضمضة، وسيأتي ذلك إن شاء الله.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأمر بالسواك للندب لا للإيجاب، ووجه الدلالة: أن كلمة (لولا) تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب ممنوعًا لوجود المشقة، ولو كان السواك واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشق.
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٢) "جمهرة اللغة" (٢/ ٨٥٧).
(٣) "البدر المنير" (٣/ ١٦٤).
[ ١ / ١٤٠ ]
والقول بأن السواك غير واجب بل مستحب هو قول جمهور أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، وحكي عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه القول بوجوبه لورود الأمر به، لكن قال النووي: (هذا النقل عن إسحاق غير معروف ولا يصح عنه) (^١)، وكذا نسبة الوجوب إلى داود، ومما يؤكد ذلك أن ابن حزم الظاهري ذكر أن السواك سنة (^٢)، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب السواك عند الوضوء، وهذا غرض الحافظ ﵀ فإنه صَدَّرَ أحاديث الوضوء بهذا الحديث، واختار رواية: «مع كل وضوء» مع أن رواية: «عند كل صلاة» في الصحيحين، وقد فعل هذا الترمذي فإنه ساق أحاديث السواك قبل باب «الوضوء»، وقد سلك كثير من الفقهاء هذا المسلك، فذكروا السواك من «سنن الوضوء».
ولم يحدد في الحديث مكان السواك من الوضوء، فلذا اختلف العلماء على قولين:
١ - أنه قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ، وهذا قال به جماعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية (^٣)، وكأنهم أخذوا برواية: «عند كل وضوء».
٢ - أن السواك في أثناء الوضوء، وذلك عند المضمضة، فإذا بلغ المضمضة جمع بينها وبين السواك، وهذا قول الجمهور (^٤)، واستدلوا برواية: «مع كل وضوء» فإن (مع) تفيد المصاحبة، والمصاحبة فيها نوع من المداخلة، كالصاحب يداخل صاحبه فيخالطه في عشرته وعيشه، فيكون السواك على هذه الرواية داخل الوضوء.
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٢٧١)، "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (١/ ٥٥٣).
(٢) "المحلى" (٢/ ٢١٨).
(٣) "بدائع الصنائع" (١/ ١٩٠)، "حاشية العدوي" (١/ ١٨٣).
(٤) "عمدة القارئ" (٥/ ٢٦٣)، "نهاية المحتاج" (١/ ١٧٨)، "الفواكه الدواني" (١/ ١٥٣)، "كشاف القناع" (١/ ٩٣).
[ ١ / ١٤١ ]
ولكلا القولين وجهة، ولكن الأظهر من ناحية استقراء هدي النبي ﷺ أن يكون السواك قبل الوضوء؛ لأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه تسوك أثناء المضمضة.
وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ لما بات عند خالته ميمونة ووصف قيام النبي ﷺ لصلاة الليل وفيه: (فاستيقظ وتسوك وتوضأ ..)، وهذه إحدى روايات مسلم.
الوجه الخامس: يقول الدكتور عبد الله السعيد: (إن الحكمة التي اتخذناها من قول الرسول ﷺ بأمره بالاستياك عند كل وضوء هو أن المسواك لا يزيل فضلات الأكل والرواسب المخاطية واللعابية أو الجيرية، بل يزحزح ويحرك هذه الرواسب من مواضعها التي علقت بها وخصوصًا ما بين الأسنان والشقوق والأخاديد التي على سطوحها، فالمضمضة هي الوسيلة لطرح وإزالة الرواسب للخارج، والتي كانت قد تحركت بفعل المسواك، ومن هنا تظهر الحكمة البالغة في قوله ﷺ: «عند كل وضوء»، فلذلك يجب بعد تنظيف الأسنان المضمضة، كما أمر الرسول ﷺ، وكما بيّن لنا ذلك طب الأسنان الحديث، ويقول الدكتور «هوبرت»، والدكتور «بارفت»: «يجب أن يعرف المريض أن تفريش الأسنان يزحزح فضلات الأكل، ولكن لا يزيلهما فلذلك فإن التمضمض ضروري ومهم ..») (^١).
الوجه السادس: تقدم أن الحديث ورد في الصحيحين بلفظ: «عند كل صلاة»، فيكون دليلًا على تأكد السواك عند فعل كل صلاة فريضةً كانت أو نافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال، كالظهر والعصر؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه ﵎، فينبغي أن يكون العبد على أكمل هيئة وأحسن حال، إظهارًا لشرف العبادة، ولذا كانت الطهارة شرطًا لصحة الصلاة، ومن تكميل الطهارة تنظيف الفم بالسواك مما علق به من أوساخ، قد تحمل روائح كريهة.
_________________
(١) "السواك والعناية بالأسنان" ص (٢٠٥، ٢٠٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
وقد ذكر النبي ﷺ للسواك فائدتين عظيمتين فقال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (^١).
الوجه السابع: يستفاد مما تقدم أن السواك مسنون عند الوضوء، وعند فعل الصلاة، والسنة في هذا صريحة صحيحة، قال العيني: (فإن قلت: كيف التوفيق بين رواية: «عند كل وضوء» ورواية: «عند كل صلاة»؟ قلت: السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شرع لها) (^٢).
وظاهر ذلك أن الحنفية لا يقولون بالسواك عند الصلاة، وأن الحديث فيه تقدير؛ أي: عندَ كلِّ وضوءِ صلاة، قالوا: لأن السواك من إزالة القذر، وهو لا ينبغي عمله في المسجد، ولأنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم، وهو ناقض عندهم، وهذا منصوص عليه في بعض كتبهم.
والصواب العمل بالسنة، وأن السواك مشروع عند الوضوء وعند القيام إلى الصلاة، وقد رد العلامة شمس الحق ابادي على بعض الحنفية، وبيّن أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير، وأن السنة صريحة في السواك عند الصلاة (^٣)، وذكر ابن الهمام الحنفي في شرح «الهداية» من مواضع استحباب السواك القيام إلى الصلاة وعند الوضوء (^٤).
الوجه الثامن: هذا الحديث من أدلة الأصوليين على أن الأمر المطلق يحمل على الوجوب، ووجه الاستدلال: أن لفظ (لولا) يفيد انتفاء الأمر بالسواك لوجود المشقة على الأمة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب، بل على ما فيه مشقة وهو الوجوب، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه النسائي (١/ ١٠)، وأحمد (٤٠/ ٢٤٠ - ٢٤١)، وابن خزيمة (١/ ٧٠)، والدارقطني (١/ ١٤٠)، والبيهقي (١/ ٣٤)، من حديث عائشة - ﵂ -، وعلقه البخاري في كتاب "الصيام" (٤/ ١٥٨ "فتح")، وسنده حسن، وله طرق، وله شواهد لكنها ضعيفة.
(٢) "عمدة القارئى" (٥/ ٢٦٢).
(٣) انظر: "عون العبود" (١/ ٧٤).
(٤) "شرح فتح القدير" (١/ ٢٤، ٢٥).
[ ١ / ١٤٣ ]