٧١/ ٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكلَ عَلَيْهِ: أَخرَجَ مِنْهُ شيءٌ، أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنّ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٣٦٢) في كتاب «الحيض» باب «الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك» من طريق جرير بن عبد الحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه (^١)، عن أبي هريرة ﵁.
وقد جاء في معناه أحاديث أخرى، تأتي إن شاء الله.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا) أي: إذا حسّ بتردد الريح في بطنه، وهو صوت الأمعاء، وهو القرقرة: أي: قرقرة البطن (^٢).
قوله: (فأشكل عليه) أي: التبس عليه الأمر أَوُجِدَ ناقض أم لا؟
قوله: (فلا يخرجن من المسجد) أي: لأجل أن يتوضأ.
قوله: (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي: حتى يتيقن الحدث بسمعه أو شمه و(أو) للتنويع، وخص السمع والشم بالذكر لكونهما الغالب، وإلا فلو
_________________
(١) هو ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، ثقة، ثبت، من الثالثة.
(٢) "اللسان" (٥/ ٩٠).
[ ١ / ٣٠٥ ]
كان لا يسمع ولا يشم لآفة أو مرض وتيقن بغير هذين الطريقين انتقض وضوؤه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المتطهر إذا شك في الحدث لم يلزمه الوضوء، بل يصلي بطهارته تلك حتى يتيقن أنه أحدث، إما بسماع صوت أو شم ريح.
وقد دل على ذلك - أيضًا - حديث عبد الله بن زيد ﵁ أنه شكا إلى النبي ﷺ الرجل الذي يخيل أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (^١).
الوجه الرابع: هذا الحديث دليل على قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة وهي (اليقين لا يزول بالشك)، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهي من القواعد الفقهية الكبرى التي يتخرج عليها فروع فقهية كثيرة في العبادات والمعاملات والعقود.
قال القرافي: (هذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزم بعدمه) (^٢).
وقال أبو داود: (سمعت أحمد سُئل عن رجل يشك في وضوئه؟ قال: إذا توضأ فهو على وضوئه حتى يستيقن الحدث، وإذا أحدث في وضوئه فهو محدث حتى يستيقن أنه توضأ) (^٣).
الوجه الخامس: هذا الحديث سند عظيم لإغلاق باب الوسوسة الذي يدخل منه الشيطان على العبد لإفساد طهارته وصلاته وعبادته.
وقد دل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للمسلم أن يستسلم للوسواس، فإنه داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه، فيقع في الحرج والمشقة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
(٢) "الفروق" (١/ ١١١).
(٣) "مسائل الإمام أحمد لأبي داود" ص (١٢).
[ ١ / ٣٠٦ ]
ويواجه عناء في أداء الواجبات؛ لأن الوسواس أكثر ما ينشأ من الشك، ومتى استسلم الإنسان للوساوس وانقاد لها تعب منها، ومتى غَفَلَ عنها ولم يلتفت لها فإنها تزول بإذن الله تعالى.
الوجه السادس: دل الحديث على أن الريح ناقض للوضوء، لقوله: «حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».
وسيذكر المصنف أحاديث في هذا الموضوع في اخر هذا الباب، وكان الأولى جمعها في موضع واحد، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٠٧ ]