٣/ ٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ». أخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ.
٤/ ٤ - ولِلْبَيْهَقيِّ: «المَاءُ طَاهرٌ إلاَّ إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ؛ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ».
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو أمامة؛ صُدَيُّ - بضم الصاد وفتح الدال ثم ياء مشددة - ابن عجلان الباهلي، مشهور بكنيته، سكن الشام، ومات بها سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
هذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٥٢١) في كتاب «الطهارة» باب «الحياض»، والدارقطني (١/ ٢٨)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ١٢٣) من طريق رشدين بن سعد، حدثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا.
والحديث ضعيف، لضعف رشدين، فقد ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة. وقال أبو حاتم: «منكر الحديث»، وقال النسائي: «متروك الحديث» (^٢)، وقد
_________________
(١) "الاستيعاب" (١١/ ١٣١)، "الإصابة" (٥/ ١٣٣).
(٢) "تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٢ ]
اختلف عليه في إسناده، قال الدارقطني: (لم يرفعه غير رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب في قول راشد (^١» يعني: أنه مرسل، فقد رواه الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد، عن النبي ﷺ مرسلًا، وقال الشافعي: (لا يُثبت أهل الحديث مثله) (^٢)، وقال النووي: (اتفق المحدثون على تضعيفه) (^٣)، وقال البوصيري: (هذا إسناد ضعيف) (^٤).
وقول المصنف: (وضعفه أبو حاتم) هذا التضعيف نقله ابنه في «العلل»: (فقال: قال أبي: يوصله رشدين بن سعد، يقول: عن أبي أمامة عن النبي ﷺ، ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل) (^٥).
قوله: (وللبيهقي …) هذا الحديث الرابع، والظاهر أن الحافظ أورد رواية البيهقي لتفسير حرف العطف في حديث ابن ماجه، وأن المراد أحد هذه الأوصاف، فتكون الواو بمعنى (أو)، وهذه الرواية جاءت عند البيهقي (١/ ٢٥٩) من حديث أبي أمامة من طريق اخر، فيه عطية بن بقية بن الوليد، وعطية يروي عن أبيه، وهو يخطئ ويُغرب، والوليد مدلس، وقد عنعن؛ ولذا قال البيهقي: (والحديث غير قوي).
الوجه الثالث: اعلم أن أصل حديث أبي أمامة صحيح - كما تقدم في حديث أبي سعيد ﵁ - والتضعيف المذكور متجه إلى هذه الزيادة وهي الاستثناء: (إلا ما غلب ..) وقد ذكره الحافظ لِيُعلم حاله، فيكون المعول على نجاسة الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه هو الإجماع، الذي نقله غير واحد، فقد نقله الشافعي - في اختلاف الحديث ـ، حيث قال: (إنه قول العامة لا أعلم بينهم اختلافًا) وضعف الحديث كما تقدم، وقال ابن المنذر: (أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له
_________________
(١) "سنن الدارقطني" (١/ ٢٩).
(٢) "اختلاف الحديث" ص (١٠٨).
(٣) "المجموع" (١/ ١١٠).
(٤) "مصباح الزجاجة" ص (١٠٧).
(٥) "العلل" (١/ ٤٤).
[ ١ / ٣٣ ]
طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس) (^١)، وكذا نقله البيهقي (^٢)، وابن هبيرة (^٣) وغيرهما، رحم الله الجميع.
الوجه الرابع: أننا إذا جمعنا حديث أبي أمامة الذي عضده الإجماع مع حديث أبي سعيد ﵁: «الماء طهور لا ينجسه شيء» استفدنا أن الماء قسمان لا ثالث لهما، إما طهور وإما نجس، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم (^٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع، فالطهور هو الماء الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا؛ فالباقي على خلقته حقيقة كماء البئر وماء البحر ونحو ذلك، والباقي على خلقته حكمًا هو الذي تغير بشيء لا يسلبه الطهورية، كأن يتغير بما يشق صون الماء عنه، كورق الشجر والتراب ونحوهما مما تلقيه الرياح أو السيول من الأشياء الطاهرة؛ فهذا طهور ما دام اسم الماء باقيًا، فإن تغير بشيء يخرجه عن كونه ماء ويعطيه اسمًا اخر، كاللبن والمرق والتمر ونحوها لم يكن طهورًا؛ لأنه ليس بماء.
والنجس: هو ما تغير بنجاسة - كما تقدم - سواء أكان التغير كثيرًا أم قليلًا، وسواء أكان بممازجة أم بغير ممازجة، فإن أصابته نجاسة ولم تغير أحد أوصافه فهو طهور؛ لعدم الدليل الدال على نجاسته، والله أعلم.
_________________
(١) "الأوسط" (١/ ٢٦٠).
(٢) "السنن الكبرى" (١/ ٢٦٠).
(٣) "الإفصاح" (١/ ٥٨).
(٤) انظر: "الفتاوى" (١٩/ ٢٣٦)، "الدرر السنية" (١/ ٦٩ - ٧٠)، "المختارات الجلية" ص (٧)، "فتاوى ابن إبراهيم" (٢/ ٢٧).
[ ١ / ٣٤ ]