٥٥/ ٢٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا، وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوَءَكَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٧٣) في كتاب «الطهارة» باب «تفريق الوضوء»، من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دِعَامة، حدثنا أنس بن مالك: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل الظفر، فقال له النبي ﷺ: «ارجع فأحسن وضوءك»، قال أبو داود: (وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب).
ومراد أبي داود بيان أن هذا الحديث لم يروه أحد عن جرير إلا عبد الله بن وهب، وهو تعليل لكونه غير معروف، قال الدارقطني: (تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة، ولم يروه عنه إلا ابن وهب) (^١). فعلم بذلك أن الحديث غريب؛ لأنه لم يروه عن قتادة إلا جرير، ولم يروه عن جرير إلا ابن وهب، وهذا التفرد من جرير يعتبر علة، لأنه وإن كان ثقة إلا أنه يحدث عن قتادة بأحاديث مناكير، قال ابن عدي: (جرير بن حازم له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره) (^٢).
_________________
(١) "سنن الدارقطني" (١/ ١٠٨).
(٢) "الكامل" (٢/ ١٣٠).
[ ١ / ٢٣١ ]
ولم أقف على الحديث في سنن النسائي، وقد عزاه المزي (^١) لأبي داود فقط، فالظاهر أن الحافظ وَهِمَ في عزوه للنسائي، والله أعلم. وقد أخرجه - أيضًا - ابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (١٩/ ٤٧١).
وقد ورد عن جابر ﵁ قال: أخبرني عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ، فقال: «ارجع فأحسن وضوءك»، فرجع ثم صلى. أخرجه مسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣).
وورد من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة).
أخرجه أبو داود (١٧٥)، وأحمد (٢٤/ ٢٥١)، قال الأثرم: (قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد؟ قال: (نعم) (^٢).
وقد أعله الترمذي بأن بقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن بحير بن سعد، وأجاب ابن القيم عن ذلك بأن بقية صرح بالتحديث عند أحمد (^٣)، وهذا فيه نظر، فإن بقية صرح بالتحديث من شيخه، وعنعن في شيخ شيخه، وهذا لا يقبل ممن يدلس تدليس التسوية أمثال بقية.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (مثل الظفر) بضم الظاء المُشَالة والفاء، وبه جاء القران الكريم، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، ويجوز إسكان الفاء، ويجوز كسر الظاء وإسكان الفاء، وكسرهما معًا، ويجمع على أظفار، وجمع الجمع: أظافير.
قوله: (ارجع فأحسن وضوءك) أي: ائت به على أتم الوجوه وأكملها، فيكون أَمَرَهُ بغسل ما ترك.
ويحتمل أن معناه: استأنف وضوءك من أوله، قال الخطابي: (إن هذا
_________________
(١) "تحفة الأشراف" (١/ ٣٠٢).
(٢) "التنقيح" (١/ ٤٠٧).
(٣) "مختصر تهذيب السنن" (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٢٣٢ ]
هو ظاهر معناه) (^١)، ويؤيده ما تقدم في حديث ابن معدان ﵁: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة).
الوجه الثالث: استدل العلماء بهذا الحديث على وجوب استيعاب جميع أجزاء أعضاء الوضوء، وأن من ترك منها شيئًا ولو قليلًا فإن وضوءه لا يصح؛ لأن النبي ﷺ أمر من رأى على قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء بإحسان الوضوء وإتمامه وإسباغه، والحديث نص في القَدَمِ، ويقاس عليه غيره من الأعضاء، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار»، وفي لفظ: (أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب من النار») (^٢).
الوجه الرابع: يستدل بالحديث على وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، كالعجين أو الجص أو مادة صمغية كالغراء ونحوه؛ لأن الماء لا يصل لما تحتها، فيبقى غير مغسول فلا تتم الطهارة.
ويدخل في ذلك ما تفعله النساء من وضع صبغ الأظفار المسمى بالمناكير أو غيره، فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.
الوجه الخامس: اختلف العلماء في وجوب الموالاة في الوضوء، والموالاة معناها: التتابع، وموالاة الوضوء: تتابعه، والمراد متابعة غسل الأعضاء بعضها إثر بعض بحيث يُغسل العضو قبل أن يجف الذي قبله في زمن معتدل، فلا اعتداد بتسارع الجفاف لشدة الحر، أو لوجود الهواء الشديد، أو لحال المحموم مع قلة الماء، ولا بتأخر الجفاف لشدة البرد.
ولا يقطع الموالاة الاشتغال في العضو الآخر بسنة كتخليل أو إزالة شيء على اليد كدهان متجمد ونحوه، أو انقطع الماء فانتقل المتوضئ من أنبوب إلى اخر، أو كون الماء لا يحصل إلا متفرقًا فكل ذلك لا يضر؛ لأنه أمر متعلق بالطهارة.
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ١٢٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، واللفظ الثاني للبخاري.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وفي حكم الموالاة ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب الموالاة في الوضوء مطلقًا، وهذا قول الإمام أحمد، وهو المذهب، وقول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، وهو قوله القديم.
وعلى هذا القول فلا تسقط الموالاة بالنسيان على الصحيح من المذهب (^١).
القول الثاني: أن الموالاة سنة وليست واجبة، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي، فإنه لم يذكرها في فروض الوضوء، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قالت الظاهرية (^٢).
القول الثالث: أن الموالاة فرض مع الذكر ومع القدرة، ساقطة مع النسيان، ومع الذكر عند العذر، كنقصان الماء، أو كونه لا يحصل إلا متفرقًا، وهذا قول مالك (^٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).
واستدل الأولون بما يأتي:
١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أنها سيقت مساق الشرط ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وجواب الشرط إن تعدد يكون متتابعًا لا يتأخر، ضرورة أن المشروط يلي الشرط.
٢ - حديث الباب، وحديث عمر عند مسلم: «فأحسن وضوءك» وحديث خالد بن معدان: (فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة)، فإن حُمِلَ اللفظ الأول على الثاني فالأمر واضح، وإن لم يحمل أحدهما على الآخر فدلالة الثاني واضحة؛ لأنه أمره أن يعيد الوضوء، ولو لم تكن المولاة واجبة لأمره أن
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٩١)، "الإنصاف" (١/ ١٤٠).
(٢) "حاشية ابن عابدين" (١/ ١٢٢)، "المغني" (١/ ١٩١)، "المجموع" (١/ ٤٧٨)، "المحلى" (١/ ٣١٢).
(٣) "بداية المجتهد" (١/ ٥٤)، "الكافي" لابن عبد البر (١/ ١٦٥).
(٤) "الفتاوى" (٢١/ ١٣٥).
[ ١ / ٢٣٤ ]
يغسل موضع اللمعة، ولم يأمره بإعادة الوضوء، وأما دلالة الأول فإما أن يراد بإحسان الوضوء: غسل ما ترك دون ما سبق، أو يحمل على إعادة الوضوء في تمام، بل قال الخطابي: (إن هذا هو ظاهر معناه) - كما تقدم - لتتفق الألفاظ.
٣ - أن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ ذكروا أنه توضأ متواليًا، ولم يكن يفصل بين أعضاء وضوئه.
٤ - أن الوضوء عبادة واحدة، فإذا فرق بين أجزائها لم تكن كذلك.
أما القائلون بأن الموالاة سنة، فاستدلوا بما يلي:
١ - اية الوضوء، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، فكيفما غسل جاز، فَرَّقَ بين الأعضاء أو نسَّق.
٢ - أن الوضوء إحدى الطهارتين فلم تجب الموالاة فيها كالغسل، وقالوا: إن المراد بإحسان الوضوء تكميل ما نقص منه، وأما أمره بالإعادة في حديث ابن معدان فلأنه يحتمل أنه أراد التشديد عليه في الإنكار والتنبيه على أن من ترك شيئًا فكأنه تارك للكل، أو أنه سمَّى غَسْلَ ما تركه: إعادة، باعتبار ظن المتوضئ.
أما القائلون بأنه إن تعمد التفريق بطل وضوؤه وإلا فلا، فاستدلوا بأدلة الأولين، كما استدلوا بعموم الأدلة على أن الناسي معفو عنه، كقوله ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (^١).
وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله تعالى - لقوة الدليل على ذلك، وهي الأحاديث الثلاثة المذكورة: حديث أنس، وحديث عمر، وحديث خالد بن معدان، ولعلها باجتماعها يقوي بعضها بعضًا، وكذا ما جاء في معناها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والدارقطني (٤/ ١٧٠)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) وهو حديث صحيح له طرق وشواهد، وقد حسنه النووي في "الأربعين"، وأقره الحافظ في" التلخيص" (١/ ٣٠١)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على "الإحكام" لابن حزم (٢/ ٧١٣)، وسيأتي شرحه -إن شاء الله- في كتاب "الطلاق".
[ ١ / ٢٣٥ ]
بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط، لا تتناول العاجز عن الموالاة ..) (^١).
وهذا كله مبني على طول الفصل، أما لو تبين له في الحال أن في قدمه شيئًا لم يصبه الماء أو في يده غَسَلَ ما ترك وأتى بما بعده ليكون مرتبًا.
أما إجابة أصحاب القول الثاني عن أحاديث الباب فلا تخلو من ضعف، فإنَّ حَمْلَ الأمر بإعادة الوضوء على التشديد فيه نظر، فإن المقام مقام تعليم وبيان للأمة، ثم هو صرف للحديث عن ظاهره بلا دليل، والمجمل من النصوص يرد إلى المُبَيَّنِ، والله أعلم.
الوجه السادس: في الحديث دليل على أنه يشرع للمسلم إذا رأى من أخيه تقصيرًا أو خطأ في واجب أن ينبهه عليه، لتصحيح عبادته؛ لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٣٥).
[ ١ / ٢٣٦ ]