٤٠/ ٩ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه الترمذي (٣١) في «أبواب الطهارة» باب «ما جاء في تخليل اللحية»، وابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) من طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل - شقيق بن سلمة ـ، عن عثمان ﵁، به.
وهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده، وإلا فإن عامر بن شقيق متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وقد روى عنه شعبة، وهو لا يروي إلا عن ثقة، ومثل هذا يكون حديثه حسنًا، لكن يشكل على هذا مخالفته لجميع من روى الحديث عن عثمان ﵁، فإنهم لم يذكروا التخليل.
وقد نقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (أصح شيء في التخليل عندي حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن) (^٢)، ومعلوم أن البخاري لا يريد الحسن بالمعنى الاصطلاحي.
ونقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان (٣/ ٣٦٢)، وابن خزيمة
_________________
(١) "الثقات" (٧/ ٢٤٩)، "تهذيب التهذيب" (٥/ ٦٠).
(٢) "العلل الكبير" (١/ ١١٥).
[ ١ / ١٨٢ ]
(١٥١)، والحاكم (١/ ١٤٩) (^١)، وحسنه ابن الملقن، وذكر له اثني عشر شاهدًا، وتكلم عليها، ثم قال: (فهذا اثنا عشر شاهدًا لحديث عثمان ﵁، فكيف لا يكون صحيحًا؟ والأئمة قد صححوه ..) ثم ذكر جماعة ممن صححوا الحديث (^٢).
وأما ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه من قوله: (لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث) (^٣)، وما نقله أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» حيث قال: (قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ فقال: تخليلها قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث) (^٤). فقد حمله ابن الملقن على أن المراد بذلك غير حديث عثمان هذا (^٥)، وهذا الجواب ليس بناهض عندي، وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، كما ذكرته فيما تقدم.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (والحق أن أحاديث التخليل يشد بعضها بعضًا، وتدل على شرعية التخليل وأنه سنة، وإن كان النبي ﷺ لا يفعله دائمًا ..).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يخلل) تخليل اللحية: إدخال الأصابع فيها عند غسلها؛ ليبلغ الماء إلى أصول الشعر، وذلك بأن يأخذ كفًا من ماء ويخلله بأصابعه كالمشط، أو يأخذ كفًا من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به.
قوله: (لحيته) اللحية - بكسر اللام - شعر الوجه المعروف، وهو ما نبت على اللحيين وهما عظما الوجه، وما نبت على الذقن، وهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه، فيلتقي رأس هذا إلى رأس هذا، ويعرف بالحنك، فهذا هو الذقن.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٥/ ٦٠).
(٢) "البدر المنير" (٣/ ٣٩٤).
(٣) "العلل" (١/ ٤٥).
(٤) ص (٧).
(٥) "البدر المنير" (٣/ ٤٠٦).
[ ١ / ١٨٣ ]
الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وذلك إذا كانت اللحية كثيفة وهي التي تستر البشرة.
قال ابن القيم: (وكان ﷺ يخلل لحيته أحيانًا، ولم يكن يواظب على ذلك ..) (^١) فإذا فعله الإنسان تارة وتركه تارة كان ذلك أقرب إلى السنة والتأسي بالنبي ﷺ عند من يرى الاحتجاج بأحاديث الباب، ولأجل أن يعلم غيره أنه ليس بواجب، والنفوس إذا اعتادت شيئًا قد تلزمه وتجعله واجبًا، فما حافظ عليه النبي ﷺ نحافظ عليه، وما فعله تارة وتركه تارة فكذلك نفعله تارة وندعه تارة، وإذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعله ﷺ وتركه فكذا الناس بعدهم بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعل العلماء وطلبة العلم وأن يفرقوا بين ما كان واجبًا وما كان غير واجب.
أما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فهذه يجب غسلها وما تحتها من البشرة؛ لأنها في حكم الظاهر فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه ما تحصل به المواجهة، وما تحت اللحية إذا كان باديًا تحصل به المواجهة، فيدخل في حكم الوجه، والله أعلم.
_________________
(١) "زاد المعاد" (١/ ١٩٧).
[ ١ / ١٨٤ ]