٧٥/ ٩ - عَنْ جَابِر بن سَمُرَةَ ﵄ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيَّ ﷺ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» قَالَ: أَتَوَضّأُ مِنْ لُحُومِ الإبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، جابر بن سمرة بن جُنادة العامري السُّوائي - بضم السين المهملة وتخفيف الواو - نسبة إلى سُواءَ من أجداده، له ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها سنة ست وستين، وقيل: أربع وسبعين (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «الوضوء من لحوم الإبل» (٣٦٠) من طريق أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا».
قال ابن خزيمة: (لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، ورَوَى هذا الخبر - أيضًا - عن جعفر بن أبي ثور أشعثُ بن
_________________
(١) "الاستيعاب" (٢/ ١١٧)، "الإصابة" (٢/ ٤٢).
[ ١ / ٣٢١ ]
أبي الشعثاء المحاربي، وسماكُ بن حرب، فهؤلاء الثلاثة من أجلة رواة الحديث، قد رووا عن جعفر بن أبي ثور هذا الخبر) (^١).
وقد أخرجه مسلم - أيضًا - من هذين الطريقين: طريق سماك بن حرب وأشعث بن أبي الشعثاء.
وكأن ابن خزيمة يقصد بذلك - والله أعلم - الرد على من أعلّ الحديث بجعفر بن أبي ثور راويه عن جابر بن سمرة وأنه مجهول، ونُسب هذا إلى علي بن المديني (^٢)، وهذا ليس بصحيح، فإن جعفرًا هذا مشهور، وهو يروي عن جده جابر بن سمرة، وقد أودع مسلم حديثه في «صحيحه».
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوضوء من لحم الغنم لا يجب، وإنما يباح لقوله: «إن شئت» لأنه غير ناقض للوضوء، ويكون هذا الوضوء بهذا الاعتبار تجديدًا للوضوء السابق، فيستدل به على جواز ذلك.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب الوضوء من لحم الإبل؛ لقوله: «نعم» لأنه ناقض للوضوء، وهذا مذهب الإمام أحمد، وهو من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة واختاره البيهقي، وحكي عن جماعة من الصحابة، ورجحه ابن القيم (^٣)، ورجحه النووي، وقال: (هذا المذهب أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على خلافه) (^٤).
وقال الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: لحم الإبل لا ينقض الوضوء (^٥)، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كان اخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار) وفي لفظ: (مما مسَّت النار) (^٦).
_________________
(١) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٢١).
(٢) "تهذيب مختصر السنن" (١/ ١٣٦).
(٣) المصدر السابق.
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢٨٨).
(٥) "بدائع الصنائع" (١/ ٣٢)، "المنتقى" للباجي (١/ ٦٥)، "المجموع" (٢/ ٥٧).
(٦) أخرجه أبو داود (١٩٢) واللفظ له، والترمذي (٨٠)، والنسائي (١/ ١٠٦)، وابن ماجه (٤٨٩)، وأحمد (٢٢/ ١٦٤) من طرق عن جابر -﵁-، وهو حديث صحيح، ويشهد له ما رواه البخاري (٥٤٥٧) عن جابر -﵁- أنه سئل عن الوضوء مما مسته النار، فقال: "لا".
[ ١ / ٣٢٢ ]
ووجه الدلالة: أن قوله: (مما مست النار) عام فيدخل فيه لحم الإبل؛ لأنه من أفراد ما مسته النار، بدليل أنه لا يؤكل نيئًا، بل يؤكل مطبوخًا، فلما نُسخ الوضوء مما مسته النار نُسخ الوضوء من أكل لحوم الإبل أيضًا.
والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة؛ لأن حديث الباب نص في الموضوع، ويؤيد حديث الباب، حديث البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا تتوضؤوا منها ..» الحديث (^١).
وأما حديث جابر ﵁ فعنه ثلاثة أجوبة:
الأول: أنه حديث مضطرب، كما قال أبو حاتم (^٢)، وله علة أخرى فقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله هذا صدوق، في حديثه لين، كما في «التقريب» (^٣).
الثاني: على فرض صحته فلا دلالة فيه؛ لأن لحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مَسِّ النار، بل لمعنى يختص به ويتناوله نيئًا ومطبوخًا.
الثالث: أن ما قاله جابر نقل للفعل لا للقول، فإنهم قد شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ (^٤).
وحديث جابر ﵁ لا معارضة بينه وبين حديث الباب وما في معناه حتى يقال بالنسخ، بل حديث جابر عام، وحديث الباب خاص، فيقدم الخاص على العام، ويخرج عن العام الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، فلا يتوضأ مما مست النار إلا من لحم الإبل.
الوجه الخامس: لا فرق في النقض من لحوم الإبل بين أن يكون
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وهو حديث صحيح، صححه أحمد وإسحاق وجماعة.
(٢) "علل الحديث" (١/ ٦٦).
(٣) انظر حديث (١٢٨).
(٤) "الفتاوى" (٢١/ ٢٦٣).
[ ١ / ٣٢٣ ]
اللحم قليلًا أو كثيرًا أو نيئًا أو مطبوخًا، لصدق اسم اللحم على ذلك.
وقد اختلف العلماء هل نقض الوضوء خاص باللحم، أو شامل لجميع أجزاء الإبل من الهبر - وهو قطع اللحم (^١) - أو الكرش أو الكبد أو الكلية أو الأمعاء وما أشبه ذلك، على قولين:
الأول: أنه شامل لجميع أجزاء الإبل، وهذا وجه في المذهب عند الحنابلة، واختاره ابن سعدي (^٢)، ودليل ذلك ما يلي:
١ - أن لفظ اللحم في الشرع يشمل جميع أجزاء الحيوان، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ولحم الخنزير شامل لكل ما حواه الجلد، بل الجلد كذلك، وكون بعض الأجزاء له اسم خاص لا يدلّ على خروجه عن حكم اللحم.
٢ - أن العموم المعنوي يؤيد ذلك، فإن الهبر وبقية الأجزاء يتغذى بدم واحد، وطعام واحد، وشراب واحد، والرسول ﷺ لم يفصل للسائل، وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا وهذا، فلو كان اللحم يختلف لم يترك الرسول ﷺ بيانه.
٣ - أنه ليس في الشريعة الإسلامية حيوان تتبعض الأحكام في أجزائه، فيكون بعضها حلالًا وبعضها حرامًا، وإنما الحيوان إما حرام كله كالخنزير، وإما حلال كله كبهيمة الأنعام.
القول الثاني: أنه لا ينقض إلا اللحم فقط، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وقال الزركشي: (هو اختيار الأكثرين) (^٣)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (^٤)، واستدلوا بأن النص ورد في اللحم، وغير اللحم مما ذكر لا يتناوله النص.
_________________
(١) قال في اللسان: الهبر: قطع اللحم، والهبرة: بَضْعة من اللحم أو نحضة لا عظم فيها.
(٢) "الإنصاف" (١/ ٢١٧)، "المختارات الجلية" ص (١٧).
(٣) "شرح الزركشي" (١/ ٢٦١).
(٤) "فتاوى ابن إبراهيم" (٢/ ٧٦).
[ ١ / ٣٢٤ ]
قالوا: ولا يستدل باية ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لأن لحم الخنزير حُرّمَ لنجاسته وخبثه، وأجزاء الخنزير كلها نجسة ليس فيها شيء طاهر، بخلاف لحم الإبل فلا شيء فيه نجس، والأحوط هو القول الأول؛ لما تقدم، والله أعلم.
الوجه السادس: اختلف في الوضوء من لحم الإبل هل هو معلل أو لا؟ فالصحيح من المذهب عند الحنابلة أنه غير معلل، بل هو تعبدي، وقيل: إنه معلل، بما أشار إليه النبي ﷺ بأنها من الشياطين، كما ورد في حديث أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة للحج، فقلت: يا رسول الله، ما نُرى أن تحملنا هذه، قال: «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما امركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله» (^١).
قالوا: والأكل منها يورث حالًا شيطانية، والشيطان من نار، والماء يطفئها.
والله تعالى أعلم بأسرار شرعه، فعلينا الإيمان والعمل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٩/ ٤٥٨) وغيره، بإسناد حسن، وفيه محمد بن إسحاق، صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند أحمد.
[ ١ / ٣٢٥ ]