٧٩/ ١٣ - عَنْ أَنَس بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلّى، وَلمْ يَتَوَضَّأْ. أَخْرَجهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَيَّنَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» (١/ ١٤١)، وفي «الخلافيات» (٢/ ٣١٨) من طريق صالح بن مقاتل، ثنا أبي، ثنا سليمان بن داود أبو أيوب، عن حميد، عن أنس به.
وذكر الحافظ أن الدارقطني لَيّنَهُ، أي: ليّن إسناده، للكلام في بعض رواته، والليّن: بفتح اللام وكسر الياء المشددة، هو: الراوي المجروح في حفظه جرحًا لا يخرجه عن دائرة الاعتبار بحديثه، ولا يتعدى إلى عدالته، قال الدارقطني: (إذا قلت: لين، لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط به العدالة) (^١)، وتقدم ذلك.
والظاهر أن الحافظ عَنَى بذلك قول الدارقطني: (صالح بن مقاتل ليس بالقوي)، وهذه العبارة نقلها ابن عبد الهادي والزيلعي كما سيأتي، وهي لا توجد في «سنن الدارقطني» المطبوعة، بل لم يرد له أيُّ كلام على هذا الحديث بعد إيراده، وقد وجدت في كتاب «تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني» للحافظ الغساني المتوفى سنة (٦٨٢ هـ) وهو ينقل في كتابه كلام الدارقطني، قوله: (سليمان بن داود ليس بالقوي)، وكذا في كتاب المقدسي (من تكلم فيه الدارقطني
_________________
(١) نقله "في الرفع والتكميل" ص (١٨٣).
[ ١ / ٣٤٤ ]
في كتاب «السنن» …) وهذا يدل على أن كتاب السنن فيه سقط، أو أن هذا من اختلاف النسخ واختلاف رواتها، أو أنه في غير السنن، فالله تعالى أعلم.
وهذا حديث ضعيف جدًا، قال ابن عبد الهادي: (حديث أنس لا يثبت، وسليمان بن داود مجهول، وصالح بن مقاتل ليس بالقوي، قاله الدارقطني، وأبوه غير معروف) (^١).
وقال الزيلعي: (قال الدارقطني عن صالح بن مقاتل: ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول) (^٢)، وليس في «سنن الدارقطني» المطبوع شيء من هذا، كما تقدم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (احتجم) أي: أخرج الدم بالمحجم: بكسر الميم، وهي الآلة التي يُحجم بها، أي: يُمصُّ الدم بها، والآلة التي يجمع فيها دم الحجامة.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بل تجوز الصلاة بعدها، والحديث وإن كان فيه ضعف لكنه يعتضد بالأصل، وهو سلامة الطهارة، ولا يُرفع الأصل إلا بدليل شرعي يدل على ناقض متيقن، ويلحق بذلك كل دم خارج من الجسم من غير السبيلين، كالرُّعاف ودم السن والجرح، وما أشبه ذلك سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تنازع العلماء في خروج النجاسة من غير السبيلين، كالجرح والفِصَاد والحجامة والرعاف والقيء فمذهب مالك والشافعي: لا ينقض الوضوء، ومذهب أبي حنيفة وأحمد: ينقض، لكن أحمد يقول: إذا كان كثيرًا .. ثم قال: والأظهر في جميع هذه الأنواع: أنها لا تنقض الوضوء، ولكن يستحب الوضوء منها، فمن صلى ولم يتوضأ منها صحت صلاته، ومن توضأ منها فهو أفضل ..) (^٣).
وأما نجاسة الدم فقد تقدم الكلام عليها في باب «إزالة النجاسة» عند الحديث «الثلاثين»، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تنقيح التحقيق" (١/ ٤٧٨).
(٢) "نصب الراية" (١/ ٤٣).
(٣) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٢٢٢).
[ ١ / ٣٤٥ ]