٣٦/ ٥ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو ﵄ - في صِفَةِ الوُضُوءِ - قَالَ: ثمَّ مَسَحَ ﷺ بِرأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأسلم قبل أبيه، ولم يكن بين مولدهما إلا اثنتي عشرة سنة. كان كثير العبادة، وقد ورد في الصحيحين قصته مع النبي ﷺ في نهيه عن مواظبة قيام الليل وصيام النهار وأمره بصيام يوم بعد يوم، وبقراءة القران كل ثلاث، وفي بعض طرقه: لما كبر كان يقول: يا ليتني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ.
كان عبد الله بن عمرو ﵄ حافظًا لأحاديث النبي ﷺ، لكن لم تكثر الرواية عنه كما كثرت عن أبي هريرة ﵁، مع أن أبا هريرة ﵁ قال: ما أجد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (^١)، ولعل السبب في قلة الرواية عنه أنه كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وقيل غير ذلك (^٢).
اختلف المؤرخون في موته: أين كان؟ ومتى؟ فذكر الحافظ ابن حجر
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ١٦٢ ]
في ذلك عدة أقوال، ونَقَلَ عن الإمام أحمد أن وفاته كانت ليالي الحرة اخر ذي الحجة، سنة ثلاث وستين، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث قطعة من حديث طويل رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صفة وضوء النبي ﷺ، واقتصر المصنف على ذكر هذا القدر من الحديث، لإفادتها مسح الأذنين وكيفيته، الذي لم يفده حديث عثمان ﵁ السابق في هذا الباب.
وقد أخرج هذا الحديث أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨)، وابن ماجه (١/ ١٤٦)، وأحمد (١١/ ٢٧٧)، وابن خزيمة (١/ ٨٩) من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وابن خزيمة مختصر، ليس فيه محل الشاهد.
وهذا الحديث من ضمن أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ووالد شعيب هو محمد بن عبد الله، وليس له رواية عن أبيه. وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو الذي ذكره الذهبي، وصحح أن شعيبًا ثبت سماعه من عبد الله بن عمرو (^٢) وهو الذي رباه وكفله، وقد اختلف أهل العلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأرجح الأقوال أنه من قبيل الحسن، سوى ما فيه من المناكير، ولعلها من قبل غيره (^٣).
_________________
(١) "الاستيعاب" (٦/ ٣٣٨)، "تذكرة الحفاظ" (١/ ٤١)، "الإصابة" (٦/ ١٧٦).
(٢) "الميزان" (٣/ ٢٦٨).
(٣) انظر: "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٣٩)، "الميزان" (٣/ ٢٦٨)، "صحائف الصحابة" إعداد: أحمد الصويّان ص (٧٢).
[ ١ / ١٦٣ ]
وهذا الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح، منها حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). أخرجه أبو داود (١٢١)، وابن ماجه (١/ ١٥١)، والبيهقي (١/ ٦٥) وإسناده حسن، وحديث الربيع بنت معوذ أخرجه أبو داود (١٢٩)، وحديث ابن عباس أخرجه ابن خزيمة (١٤٨)، ولفظه: (وغرف غرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه وظاهرهما، وأدخل إصبعيه فيهما).
ولفظة: (أو نقص) الواردة في سياق أبي داود لا تصح؛ لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاث في أعضاء الوضوء مع أن النقص جائز، وقد فعله النبي ﷺ كما تقدم، فكيف يعبر عن ذلك بـ (أساء وظلم)؟! قال ابن المواق: (إن لم يكن اللفظ شكًا من الراوي، فهو من الأوهام المُبَيَّنة التي لا خفاء بها، إذ الوضوء مرة ومرتين لا خلاف في جوازه، والآثار بذلك صحيحة …) (^١).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (وأدخل إصبعيه) مثنى إصْبَع، والمراد الأنملة - بتثليث حركة الهمزة والميم - وهي رأس الإصبع، وهذا من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩].
قوله: (السباحتين) تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يشار بها عند ذكر الله تعالى وتسبيحه.
قوله: (بإبهاميه) مثنى إبهام، والإبهام هي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرجل.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مسح الأذنين في الوضوء وأنهما لا يغسلان؛ لأنهما تابعان للرأس، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ والأذنان من الرأس، ولحديث ابن عمر ﵄
_________________
(١) نقله في "المنهل العذب المورود" (٢/ ٧٤).
[ ١ / ١٦٤ ]
موقوفًا: «الأذنان من الرأس» (^١).
الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الأذنين، وهو أن يدخل إصبعيه السباحتين في صماخي أذنيه (^٢) لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، وهي الغضاريف الخارجية، ولو مسحهما بغير السباحة جاز؛ لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليحصل له أجر الاقتداء بالنبي ﷺ، قال الموفَّق ابن قدامة: (ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، والأذن أولى) (^٣).
والحكمة من تخصيص الأذن بالمسح لتطهيرها ظاهرًا وباطنًا، لتخرج الذنوب التي كسبتها الأذن بالاستماع إلى ما لا يجوز، كما تخرج من سائر أعضاء الوضوء.
وقد ورد عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (^٤).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت خطاياه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفورًا له» (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة (١/ ١٧) ومن طريقه الدارقطني (١/ ٩٨) من طريق أسامة بن زيد، عن هلال بن أسامة، عن ابن عمر -﵄- موقوفًا، وقد ورد الحديث مرفوعًا عن ابن عمر، وعن عدد من الصحابة -﵃-، وكلها أحاديث معلولة، كما قال الدارقطني والبيهقي وابن حزم وغيرهم، ويرى آخرون تقويتها، قال ابن حجر في "نُكَتِهِ على ابن الصلاح" (١/ ٤١٥): (وإذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلًا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه، والله أعلم).
(٢) صماخ الأذن: خرقها.
(٣) "المغني" (١/ ١٨٤).
(٤) أخرجه مسلم (٢٤٥).
(٥) أخرجه أحمد (٣٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦) وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب. لكن له طرق وشواهد يصل بها إلى درجة الحسن.
[ ١ / ١٦٥ ]