١٨/ ٣ - عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَعِنْدَ الأرْبَعَةِ: «أيُّمَا إهَابٍ دُبغَ».
١٩/ ٤ - وعَنْ سَلَمَةَ بنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٢٠/ ٥ - وعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂، قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟» فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ». أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي.
الأول: سلمة بن المحبِّق الهذلي، بكسر الباء المشددة وفتحها، كما ذكر النووي (^١)، قيل: اسم المحبِّق، صخر، وقيل: ربيعة .. يكنى أبا سنان، روى عنه ابنه سنان، وجَوْنُ بن قتادة، والحسن البصري، روى اثني عشر حديثًا (^٢).
الثاني: ميمونة ﵂. وقد سبق التعريف بها في شرح الحديث «الثامن».
الوجه الثاني: في تخريجها:
حديث ابن عباس ﵄ أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «طهارة
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٢١٨).
(٢) "الإصابة" (٤/ ٢٣٤).
[ ١ / ٨٨ ]
جلود الميتة بالدباغ» (٣٦٦) بهذا اللفظ، من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلة، عن ابن عباس ﵄، وبلفظه أخرجه أبو داود (٤١٢٣) بالسند المذكور، وأخرجه الترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٦٠٩) عن ابن عباس ﵄ بالسند المذكور، ولفظه: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
وبهذا يتبين أن الحافظ قد وهم في قوله: (وعند الأربعة) لأن لفظ أبي داود كلفظ مسلم، كما تقدم، والله أعلم.
وأما حديث سلمة بن المحبِّق فقد أخرجه ابن حبان (٤٥٢٢) من رواية جون بن قتادة، عن سلمة .. ولفظه: (أن رسول الله ﷺ أتى في غزوة تبوك على بيت في فنائه قربةٌ معلقةٌ، فاستسقى، فقيل له: إنها ميتة - أي: جلد ميتة - فقال: «ذكاة الأديم دباغه»، وجون بن قتادة ذكره ابن حبان في «الثقات» (^١)، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، غير أن صحابيه وهو سلمة لم يرو له الشيخان ولا أحدهما.
وأخرجه أحمد بهذا الإسناد (٢٥/ ٢٥٠) ولفظه: «دباغها طهورها أو ذكاتها»، وهو قريب من لفظ الحافظ في «البلوغ» .. بخلاف لفظ ابن حبان فهو مختلف عنه، كما تقدم، وأخرجه أبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣ - ١٧٤)، ولفظ الكتاب هو لفظ حديث عائشة أخرجه ابن حبان برقم (١٢٩٠)، وأخرجه أحمد (٤٢/ ١١٩)، والنسائي (٧/ ١٧٤) وغيرهما.
وقد نقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان، وهو صحيح لغيره؛ لأن جون بن قتادة مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، ونقل الذهبي عن الإمام أحمد قوله: (لا يعرف) (^٢)، ونقل المزي عن علي بن المديني: أنه معروف، وقال في موضع اخر: (الذين روى عنهم الحسن من المجهولين: .. فذكرهم، وذكر منهم جون بن قتادة) (^٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لم تصح صحبته،
_________________
(١) "الثقات" (٤/ ١١٩).
(٢) "الميزان" (١/ ٤٢٧).
(٣) "تهذيب الكمال" (٥/ ١٦٥).
[ ١ / ٨٩ ]
وهو مقبول) أي: إذا توبع وإلا فليّن الحديث، كما نص الحافظ على ذلك في المقدمة، وروى الترمذي حديثه في «العلل»، وقال: (لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو؟) (^١)، ولكن الحديث صحيح بشواهده، ومنها حديث ابن عباس وميمونة ﵃ وغيرهما.
وأما حديث ميمونة فأخرجه أبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) من طريق عبد الله بن مالك بن حذافة، عن أمه العالية بنت سبيع أنها قالت: كان لي غنم بأُحد، فوقع فيها الموت، فدخلتُ على ميمونة زوج النبي ﷺ فذكرت ذلك لها، فقالت لي ميمونة: لو أخذتِ جلودها فانتفعتِ بها، فقلت: أو يَحِلُّ ذلك؟ قالت: نعم، مَرَّ رسول الله ﷺ على رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ: «لو أخذتم إهابها»؟ قالوا: إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ: «يطهرها الماء والقرظ».
وعبد الله بن مالك بن حذافة لم يوثقه غير ابن حبان، وأمه العالية قال العجلي عنها: (مدنية، تابعية، ثقة) (^٢)، وقال الذهبي: (روت عن ميمونة، تفرد عنها ولدها عبد الله بن مالك، لكن وثقها العجلي) (^٣).
والحديث سكت عنه الحافظ، لكن له شواهد تؤيده، وقد صححه الألباني (^٤)، ومن شواهده ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بشاة ميتة، فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حَرُمَ أكلها» (^٥).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (إذا دبغ) الدِّباغة: مصدر دَبَغَ الجلد يدبغه دبغًا ودباغة، ومعناه: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة، والدِّباغُ والدِّبغُ: ما يدبغ به،
_________________
(١) "العلل الكبير" (٢/ ٧٢٥).
(٢) "تاريخ الثقات" ص (٥ ٥٢).
(٣) "الميزان" (٤/ ٦٠٨).
(٤) "صحيح سنن أبي داود" (٢/ ٧٧٧).
(٥) أخرجه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣) ولفظه: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به .. ".
[ ١ / ٩٠ ]
يقال: الجلد في الدِّباغ، والدباغة: بالكسر اسم للصنعة، وقد يجعل مصدرًا، كما تقدم.
قوله: (الإهاب) بكسر الهمزة، وجمعه: أُهُب بضمتين، مثل كتاب وكُتُب، ويجوز فتحهما، هو الجلد قبل أن يدبغ، وعليه يدل الحديث، قال أبو داود: (فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شَنًَّا وقِرْبة ..) ثم حكى ذلك عن النضر بن شميل (^١)، وقال الأزهري: (كل جلد عند العرب إهاب) (^٢).
وقد ورد في صحيح البخاري حديث عمر ﵁ وفيه: (فإذا أُهُبٌ معلقة ..) (^٣)، و(أل) في الإهاب لاستغراق الجنس، بدليل الرواية التالية: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».
قوله: (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها، من بابي قتل وقَرُب، وقد رجح النووي (^٤) الفتح، والطهر: هو النقاء من الدنس والنجَس.
قوله: (طهورها) بضم الطاء وفتحها، فالضم على معنى: تطهيرها، والفتح على معنى: أداة تطهيرها، مثل: الوَضوء، والطَّهور: وهو ما يعد للتطهير.
قوله: (لو أخذتم إهابها) (لو) إما أنها للتمني بمعنى: (ليت) وفيه معنى العرض، أو شرطية حذف جوابها أي: لكان حسنًا، قاله السندي (^٥).
قوله: (يطهرها) ظاهره أنه يعود على الميتة، وإلا لقال: يطهره، أي: الجلد، فإما أنه على حذف مضاف، أي: يطهر جلد الميتة، أو أن المراد الجنس، أي يطهر الأُهُب.
قوله: (القرظ) بفتحتين، حب معروف، يخرج في غُلُف كالعدس، من شجر العِضَاه، يستعمل في الدبغ، ويقوم مقامه الأرطى وشبهه؛ لأن النص على القرظ لا يدل على عدم إجزاء ما سواه، وإنما هو لمجرد التمثيل، أو لأنه كان هو المشهور والمعروف في ذلك الوقت، وفي زماننا هذا يكون دباغ
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٤/ ٦٧).
(٢) "الزاهر" ص (٩٩).
(٣) "فتح الباري" (١٠/ ٣٠١).
(٤) "المجموع" (١/ ٧٩، ٢١٤).
(٥) "حاشية السندي على سنن النسائي" (٧/ ١٧٥).
[ ١ / ٩١ ]
الجلود في المصانع الكبيرة، وبواسطة المستحضرات الكيماوية، وذلك جائز؛ لأن المقصود نزع الفضول وتنشيف الجلد من الرطوبات، فبأي شيء حصل كان مجزئًا.
الوجه الرابع: حديث ابن عباس ﵄ دليل على أن أيَّ إهاب دبغ فقد طهر، لما تقدم من العموم في قوله: «إذا دبغ الإهاب» وفي قوله: «أيما إهاب» و(أل) و(أي) من صيغ العموم، سواء أكان من حيوان طاهر في حال حياة، كالإبل والبقر والغنم، أم من حيوان غير طاهر، كالكلب والخنزير، وهذا قول داود وأهل الظاهر، ورجحه الشوكاني، وقال: (لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يُفَرَّقْ فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما)، وقال أيضًا: (فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض، من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وهو مذهب الجمهور)، وقال: (إنه تقرر في الأصول أن العام لا يُقصر على سببه، فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة) (^١).
الوجه الخامس: استدل بحديث سلمة وميمونة ﵄ من قال: إن الدباغ يطهر جلد الميتة التي تُحِلُّها الذكاة، وهي كل حيوان مأكول اللحم، لقوله: «دباغ جلود الميتة ذكاتها»، وفي لفظ: «دباغ الأديم ذكاته»، وفي لفظ: «فإن ذكاتها دباغها» فشبه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم، فكذا الدباغ؛ لأن المشبه يأخذ حكم المشبه به، وهذا قول في مذهب الحنابلة، رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وصححه الشيخ عبد الرحمن السعدي (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، وذكر النووي: أنه مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه (^٤).
أما ما لا تُحِلُّه الذكاة فلا يطهر بالدباغ وإن كان طاهرًا في حال الحياة، كالهرة فلا يطهر جلدها بالدبغ؛ لأن الذكاة لا تحلها، وإنما جعلت طاهرة في
_________________
(١) "نيل الأوطار" (١/ ٧٨).
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٩٥).
(٣) "المختارات الجلية" ص (١١).
(٤) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ٢٩٢).
[ ١ / ٩٢ ]
حال الحياة لمشقة التحرز منها - كما تقدم في الطهارة - وهذه العلة تنتفي بالموت، فتعود إلى أصلها، وهو النجاسة، فلا يطهر الدباغ جلدها.
والقول بأن الأحاديث عامة، وأنه يدخل في ذلك جميع أنواع الجلود قول قوي، لكن أظهر الأقوال وأقربها للصواب أن ذلك فيما يؤكل لحمه، وأن الورع يقتضي ترك ما سوى ذلك، عملًا بقول النبي ﷺ: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (^١)، وقوله ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٢).
واعتبار الدباغ طهورًا لجلد الميتة من رحمة الله تعالى بعباده، لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم، فقد تعرض الحاجة للاستفادة من جلد الميتة، فاستثناه الشرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القران.
ونأخذ من هذا أن الأحوط عدم لبس الفرا المصنوعة من جلود السباع، وهي موجودة في الأسواق بكثرة في هذا العصر، وإن كانت طاهرة على قول من يرى العموم، ويؤيد عدم لبسها حديث المقدام بن معديكرب أن رسول الله ﷺ (نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها) (^٣).
الوجه السادس: هذه الأحاديث الدالة على أن الدباغ يطهر جلد الميتة أصح من حديث عبد الله بن عُكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله ﷺ: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (^٤)، وهو دليل القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وهو المذهب عند الحنابلة (^٥)، وهذا الحديث أعله العلماء بالاضطراب في سنده، فإن ابن أبي ليلى راويه عن عبد الله بن عكيم تارة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٤١٣١)، والنسائي (٧/ ١٧٦) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، وهو حديث صحيح، له طرق وشواهد يتقوى بها، وبقية صرح بالتحديث عند أحمد (٢٨/ ٤٢١ - ٤٢٢) لكنه في بقية الإسناد عنعنه.
(٤) أخرجه أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وأحمد (٣١/ ٧٤ - ٧٥).
(٥) "الإنصاف" (١/ ٨٦).
[ ١ / ٩٣ ]
يحدث عنه، وتارة يحدث عن أشياخ من جهينة، وأعلوه بالاضطراب في متنه فَرُوي قبل موته ﷺ بثلاثة أيام، وروي بشهر، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا، كما أُعلَّ بالاختلاف في صحبة عبد الله بن عكيم، فقد قال البخاري: (أدرك زمان النبي ﷺ، ولا يعرف له سماع صحيح) (^١)، وما كان هذا شأنه لا يقف في مقابلة الأحاديث الصحيحة، وهي تدل على ضعفه، فإنها أظهر وأصح وأنفع للأمة، وأقرب إلى أصول الشريعة وقواعدها، فتكون أولى، على أن من أهل العلم من أجاب عن هذه العلل بما لا يتسع له المقام، فإن صح الحديث جُمع بينه وبين حديث ابن عباس ﵄ وغيره بأن الإهاب اسم لما لم يدبغ - كما تقدم ـ، فيكون نهيًا عن استعمال جلد الميتة قبل دباغته، وقَوَّى ذلك الحافظ ابن حجر (^٢)، وقال الحازمي: (ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى: «إهابًا»، وبعد الدباغ يسمى جلدًا ولا يسمى إهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة، ليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (^٣).
الوجه السابع: في حديث ميمونة ﵂ وما قبله دليل على جواز استعمال الجلد بعد الدبغ في اليابسات كالقمح والشعير، والمائعات كالماء واللبن والسمن والعسل ونحو ذلك، لقوله: «يطهره الماء والقرظ»، وإذا طهر صار حكمه حكم غيره من الأعيان الطاهرة، وتقدم في حديث سلمة بن المحبِّق (فإذا قربة معلقة)، مما يدل على أنه استعمل في الماء، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ بل أقرهم عليه.
وعن ابن عباس ﵄ عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: (ماتت لنا شاة فدبغنا مَسْكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنًا) (^٤)، وقوله: (مَسْكها) بفتح الميم وسكون المهملة: هو الجلد، والله أعلم.
_________________
(١) "التاريخ الكبير" (٥/ ٣٩)، ومثله قال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" (٥/ ١٢١).
(٢) "فتح الباري" (٩/ ٦٥٩).
(٣) "الاعتبار" ص (١١٨).
(٤) أخرجه البخاري (٦٦٨٦).
[ ١ / ٩٤ ]