١١/ ١١ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ - فِي الْهِرَّةِ ـ: «إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الترْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيمَةَ.
السؤر: بالهمز فضلة الأكل أو الشراب، ذكره صاحب «المطلع» (^١)، وقال صاحب «المصباح المنير»: (السؤر بالهمزة: من الفأرة وغيرها كالريق للإنسان) (^٢).
والمراد - هنا - الأول؛ لأن المقصود بهذا الحديث بيان جواز الوضوء وغيره ببقية ما شرب منه الحيوان، وهو الموافق لما ذكره أهل اللغة، وأما ما ذكره صاحب «المصباح» فهو مراد الفقهاء؛ لأنه يفسر ألفاظهم، كما في مقدمة الكتاب، وكذا ذكره النووي (^٣).
والكلام على هذا الحديث من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي ﵁، شهد غزوة أُحد وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ، كما ثبت في «صحيح مسلم» (^٤)، دَعَمَ النبي ﷺ في بعض أسفاره حين مال عن راحلته من النوم، فلما استيقظ قال له: «حفظك الله بما حفظت به نبيه». أخرجه مسلم - أيضًا - (^٥)،
_________________
(١) "المطلع" ص (٤٠).
(٢) "المصباح المنير" (٢٩٥).
(٣) "المجموع" (١/ ١٧٢).
(٤) برقم (١٨٠٧).
(٥) برقم (٦٨١).
[ ١ / ٥٩ ]
توفي في المدينة سنة (٥٤ هـ)، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه أبو داود (٧٥) في كتاب «الطهارة» باب «سؤر الهرة» والترمذي (٩٢)، والنسائي (١/ ٥٥، ١٧٨)، وابن ماجه (٣٦٧)، وابن خزيمة (١٠٤) وغيرهم من طريق الإمام مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك - وكانت تحت ابن أبي قتادة - أن أبا قتادة دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فراني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس ..» الحديث.
وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح، وقد جود مالك هذا الحديث، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يأت به أحد أَتَمَّ من مالك).
وقال الحافظ: (صححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني) (^٢)، وكذا صححه ابن خزيمة - كما ذكر المصنف ـ، والحاكم (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، وفي رواية مالك (١/ ٢٢) وأحمد (٥/ ٣٠) وغيرهما، (والطوافات) أي: إن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين، أو الإناث الطوافات، والحديث له طرق، ذكرها الدارقطني (^٣).
وأعلّ الحديث ابن منده - فيما نقله عنه ابن دقيق العيد - أعله بأم يحيى، واسمها حُميدة، وخالتها كبشة زوج عبد الله بن أبي قتادة، وأنه لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة.
وقد ردَّ ابن الملقن كلام ابن منده، مستندًا على تصحيح الأئمة لهذا الحديث، وأن هذا غير وارد مع الجهالة بحال حميدة وكبشة (^٤).
_________________
(١) "الاستيعاب" (١٢/ ٨٨)، "الإصابة" (١١/ ٣٠٢).
(٢) "التلخيص" (١/ ٥٤).
(٣) "العلل" (٦/ ١٦٠).
(٤) "البدر المنير" (٢/ ٣٤٢).
[ ١ / ٦٠ ]
وقول ابن منده: (إن حميدة لا تعرف لها رواية إلا في هذا الحديث)، فيه نظر، فإنها روت هذا الحديث، وحديثَ تشميت العاطس (^١)، والحديث الثالث لها: حديث رِهَانِ الخيل، رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (^٢).
وأما قوله في كبشة، فهو كما قال، ليس لها إلا هذا الحديث، لكن لا يضرها ذلك، فإنها ثقة.
وأما قوله: (إن محلهما الجهالة) ففيه نظر - أيضًا ـ، فإن حميدة روى عنها زوجها إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي حديث الهرة، وابنها يحيى في حديث تشميت العاطس، وابنها عمر بن إسحاق على ما ذكره الترمذي في باب «تشميت العاطس» - كما تقدم ـ، فإن لم يكن غلطًا فهو ثالث، وهو أخو يحيى، وذكرها ابن حبان في «الثقات» (^٣).
وأما كبشة، فقال ابن الملقن: (لم أعلم أحدًا روى عنها غير حميدة، لكن ذكرها ابن حبان في «الثقات»، وقد قال ابن القطان: (إن الراوي إذا وُثِّقَ زالت جهالته وإن لم يرو عنه إلا واحد)، وأعلى من ذلك ما ذكره ابن حبان في «الثقات» من أن لها صحبة) (^٤).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أنه قال في الهرة) هي الأنثى من القطط، وجمعها (هِرَرٌ) مثل: سِدْرة وسِدَر، والذكر (هِرٌّ) وجمعه (هِررة) مثل: قرد وقردة، قاله الأزهري، وقال ابن الأنباري: (الهر يقع على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهاء في المؤنث) (^٥).
قوله: (إنها ليست بِنَجَسٍ) بفتح الجيم، هو عين النجاسة، أي: ليست نجسة الذات، وهو مصدر نَجِس من باب فرح، ولذا لم يؤنث، كما أنه لم يجمع في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأما النَّجِسُ بكسر الجيم فهو الشيء المتنجس.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٣٦)، والترمذي (٢٧٤٤).
(٢) انظر. "البدر المنير" (٢/ ٣٤٤).
(٣) "الثقات" (٦/ ٢٥٠).
(٤) انظر: "البدر المنير" (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، "الثقات" (٣/ ٣٥٧)، "الطبقات" (٨/ ٣٥١).
(٥) "المصباح المنير" ص (٦٣٧).
[ ١ / ٦١ ]
قوله: (إنما هي من الطوافين عليكم) جملة مستأنفة فيها معنى التعليل، لعدم نجاسة الهرة، وهي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها، بحيث يشق صون الأواني عنها، فجعلها الله طاهرة، رأفةً بالعباد ودفعًا للحرج.
وقوله: (الطوافين) جمع طَوَّافٍ، شبهها بخدم البيت، وهو من يطوف على أهله ويدور حولهم برفق وعناية، وألحقها بالعقلاء فجمعها بالياء والنون مع أنها لا تعقل، إشارة إلى أنها من جنس الطوافين الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى، وذلك للضرورة وكثرة مداخلتهم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على طهارة فم الهرة، وطهارة سؤرها - فضلتها - لسقوط حكم النجاسة عنها اتفاقًا، لعلة الطواف المنصوص عليها في الحديث، والتصريح بأنها ليست نجسة، والوضوء من سؤرها بعد أن أصغى لها الإناء.
وفي قوله: (إنها ليست بنجس) دليل على طهارة جميع أعضائها وبدنها على القول الراجح، خلافًا لمن قال: إن طهارتها مقصورة على سؤرها وما تناولته بفمها، وأما بقية أجزائها فنجسة، فإن هذا مخالف لدلالة الحديث، وهذا فرد من أفراد القاعدة العظيمة (المشقة تجلب التيسير)، فكثرة طوافها وعموم البلوى بها جعل ما تلامسه طاهرًا وإن كان رطبًا، قال ابن قدامة بعد حديث أبي قتادة: (وهذا قد دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهرة، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونها مما يطوف علينا ..) (^١)، وعلى هذا فكل ما يُكْثِرُ التطواف على الناس ويشق الاحتراز منه فهو كالهرة، محكوم بطهارته، وأما إناطة الحكم بالصغر، وهو ما دون الهرة في الخِلقة، فلا وجه له، لعدم الدليل عليه، وليس الحكم خاصًا بفمها، بل جميع بدنها كذلك؛ لقوله: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم».
_________________
(١) "المغني" (١/ ١١).
[ ١ / ٦٢ ]
الوجه الخامس: الصحيح من أقوال أهل العلم إلحاق الحمار والبغل بالهرة في طهارة سؤرهما وعرقهما، للعلة المذكورة، ولحاجة الناس إليهما في الركوب والحمل، ولا سيما قبل وجود السيارات، ولأن النبي ﷺ كان يركبها وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة ﵃، فلو كان نجسًا لبين النبي ﷺ ذلك.
الوجه السادس: فيه دليل على حسن تعليم النبي ﷺ، حيث ربط الحكم بالعلة، وهذا فيه فوائد، منها:
١ - الاستدلال على سمو الشريعة وكمالها، وأن كل شيء له حكمة.
٢ - تقوية إيمان المكلف بهذا الحكم إذا عرف علته.
٣ - تعدية الحكم لكل ما وجدت فيه العلة، والله أعلم.
[ ١ / ٦٣ ]