٢٦/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلتِهِ، وَلُعَابُها يَسِيلُ عَلَى كَتِفي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عمرو بن خارجة بن المُنْتَفِق الأسدي، عداده في أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غَنْم، وشهر بن حوشب (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٢١٢)، والترمذي (٢١٢١) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وفي هذا السند ضعف، من أجل شهر بن حوشب، قال في «التقريب»: (صدوق كثير الإرسال والأوهام)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٤٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة.
والحديث له طرق وشواهد، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده الكثيرة، ومنها حديث أنس ﵁ قال: (إني لَتحتَ ناقةِ رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابها، فسمعته يقول .. الحديث) (^٢).
_________________
(١) "الإصابة" (٧/ ١٠٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠)، والبيهقي (٦/ ٢١٥) وقال =
[ ١ / ١١٣ ]
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (بمنى) بكسر الميم، اسم مكان من مشاعر الحج، سمي بذلك لأنه تُمنى فيه دماء الهدايا، أي: تُراق بالذبح والنحر.
قوله: (وهو على راحلته) جملة حالية، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، يقال: رحلت البعير، أي: شددت عليه رحله، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحِلْسٍ ورَسَنٍ …
قوله: (ولعابها) اللعاب: بضم اللام ما سال من الفم، يقال: لَعَبَ يَلْعَبُ - بفتحتين - سال لعابه من فمه، ولعاب النحل: العسل.
قوله: (على كتفي) يحتمل الإفراد والتثنية، والكتف: بفتح الكاف وكسر التاء، هو عظم عريض خلف المنكب، وعند أحمد في إحدى رواياته، والترمذي: (يسيل بين كتفيَّ) بالتثنية.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للخطيب أن يكون على مكانٍ عالٍ كمنبر وكرسي ونحوهما؛ لأنه أظهر لصوته، وأبلغ في الإعلام، وأهيب للسامعين، وأسهل للسؤال.
الوجه الخامس: الحديث دليل على حرصه ﷺ على تبليغ الأحكام للأمة، وذلك بالخطبة، وأنه ينبغي لمن ولي أمر الحجاج أن يخطب فيهم بمنى، ليعلمهم بقية أحكام المناسك من الرمي والنحر والحلق والطواف.
الوجه السادس: فيه دليل على جواز الخطبة والموعظة على الراحلة وأن هذا مباح لوجود المصلحة، ولأنه لا يتكرر ولا يطول، وقد ورد أن النبي ﷺ وقف عشية عرفة على راحلته (^١)، وأما ما ورد من النهي عن ذلك فهو محمول على ما إذا أجحف بالدابة، وذلك بأن يركبها لا لمعنى يوجبه، وإنما ليستوطن
_________________
(١) = ابن التركماني: (هذا سند جيد)، وقال البوصيري في "الزوائد" (٢/ ٣٦٨): (وهذا إسناد صحيح ورجاله ثقات)، وقد تكلم الألباني في "إرواء الغليل" (٦/ ٨٧) عن الحديث، وذكر شواهده وخرّجها.
(٢) أخرجه البخاري (١٦٦١)، ومسلم (١١٢٣).
[ ١ / ١١٤ ]
ظهرها ويتخذه مقعدًا (^١)، وقد ورد من طريق يحيى بن عمرو السيباني - بالسين المهملة - عن أبي مريم، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم» (^٢).
الوجه السابع: الحديث دليل على طهارة لعاب البعير وأنه ليس بنجس؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ رأى اللعاب يسيل على كتف عمرو بن خارجة ﵁ ولم يأمره بغسله، وإقراره على الشيء من سنته، ولو فُرض أنه ﷺ لم يعلم فإن الله تعالى يعلم، ولو كان نجسًا لم يقره الله عليه، فإقراره عليه دليل على طهارته.
ومثل البعير في ذلك سائر بهيمة الأنعام من البقر والغنم وغيرهما من كل حيوان مباح الأكل، فلعابه وبوله وروثه وسائر فضلاته كلها طاهرة.
ومما يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁، وفيه: (قال: أُصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أُصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا») (^٣)، فأذن له ﷺ أن يصلي في مرابض الغنم، ومرابضها لا تخلو من بولها وروثها، وذكر النووي: أن هذا متفق عليه بين العلماء (^٤).
وأما النهي عن مبارك الإبل فليس من أجل النجاسة؛ لأن النبي ﷺ أذن للعرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها (^٥)، وإنما لما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين …» (^٦) الحديث).
الوجه الثامن: فيه دليل على تيقظ الصحابي وحفظه للحديث، وذلك بنقل الحالة التي قارنت سماعه من النبي ﷺ، والله أعلم.
_________________
(١) "تهذيب مختصر السنن" (٣/ ٣٩٤)، "فتح الباري" (٣/ ٥١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٦٧)، ويحيى بن عمرو ثقة، وأبو مريم: قال عنه العجلي في "الثقات" ص (٥١٠): (شامي تابعي ثقة) فالحديث صحيح، كما ذكر الألباني في "الصحيحة" رقم (٢٢).
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٠).
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢٨٩).
(٥) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١).
(٦) أخرجه أبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وأحمد (٣٠/ ٥٠٩ - ٥١٠)، وإسناده صحيح.
[ ١ / ١١٥ ]