٥٢/ ٢١ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه قَال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْصِلُ بَينَ المضْمَضَةِ وَالاستِنْشَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
٥٣/ ٢٢ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ ـ: ثمَّ تَمضْمَضَ ﷺ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الْكَفِّ الذِي يَأْخُذُ مِنْهُ المَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
٥٤/ ٢٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ - في صِفَةِ الْوضُوءِ ـ: ثُمَّ أَدْخَلَ ﷺ يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدةٍ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلَاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، طلحة بن مُصَرِّف بن كعب اليامي الهمداني الكوفي، أحد الأعلام الأثبات من التابعين، وكان يقال له: سيد القراء، وهو ثقة من رجال الشيخين (^١)، قال في التقريب: (ثقة قارئ فاضل).
وأبوه مصرف بن عمرو بن كعب، وبه جزم ابن القطان، ويقال: إنه ابن كعب بن عمرو الكوفي، روى عن أبيه، عن النبي ﷺ في مسح الرأس عند
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٥/ ٢٣).
[ ١ / ٢٢٥ ]
أبي داود (^١)، وعنه ابنه طلحة، وجده: أي جد طلحة، وهو عمرو بن كعب، أو كعب بن عمرو، وقد اختلف في صحبته، وأكثر المحدثين على أن له صحبة، قال ابن عبد البر: (له صحبة، ومنهم من ينكرها، ولا وجه لإنكار من أنكرها)، ثم ساق حديثه عند أبي داود (١٣٢) في مسح النبي ﷺ رأسه حتى بلغ القَذَالَ، وهو أول القفا، ثم قال: (وقد اختلف فيه، وهذا أصح ما قيل فيه). اهـ (^٢).
والأكثرون من أهل العلم على أن والد طلحة، وهو مصرف مجهول، قاله ابن القطان، كما نقله عنه الحافظ ابن حجر (^٣)، وذكر ذلك في «التقريب»، ويؤيد ذلك أن أبا داود قال: (سمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول: أيشٍ (^٤) هذا طلحة عن أبيه عن جده) (^٥). ومعناه: أن هذا الإسناد ليس بشيء؛ لأنه يرويه طلحة عن أبيه عن جده، وهما لا يعرفان، وكذا حكى عثمان الدارمي عن علي بن المديني، ونقل ابن أبي حاتم عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: (سألت أبي قلت: طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده له صحبة؟ وما اسم جده؟ قال: لا أدري، وقد بلغنا عن سفيان بن عيينة أنه أنكر أن يكون له صحبة) (^٦).
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث طلحة فقد أخرجه أبو داود (١٣٩) من طريق معتمر بن سليمان، قال: سمعت ليثًا يذكر عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: «دخلت
_________________
(١) "السنن، (١٣٢).
(٢) "الاستيعاب" (٩/ ٢٤٩، ٢٥٠).
(٣) "التلخيص" (١/ ٩٠).
(٤) أيش: بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين، وأصلها: أيُّ شيء؟ فحذفت الياء الثانية من (أي) تخفيفًا، والهمزة من (شيء) بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها، فجعلا كلمة واحدة (أيشي)، ثم أعلت إعلال المنقوص، كقاضٍ، فصارت أيشٍ. (المصباح المنير ٣٣٠).
(٥) "مسائل الإمام أحمد" (١٣٢).
(٦) "المراسيل" لابن أبي حاتم ص (١٧٨).
[ ١ / ٢٢٦ ]
ـ يعني على النبي ﷺ - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق»، وسكت عنه أبو داود، وهذا إسناد ضعيف لعلتين:
الأولى: لأنه من رواية ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند الجمهور، بل نقل النووي اتفاق العلماء على ضعفه (^١)، قال ابن الملقن: (وفيه وقفة) (^٢)، ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال أبو داود: سألت يحيى عن ليث، فقال: (لا بأس به)، وذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا (^٣)، وقال أحمد: (مضطرب الحديث، ولكن حدث الناس عنه)، ذكر ذلك الذهبي (^٤) والحافظ ابن حجر (^٥)، وقال ابن حبان: (كان من العباد، ولكن اختلط في اخر عمره، حتى كان لا يدري ما يحدث به، فكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات ما ليس من حديثهم، كل ذلك كان منه في اختلاطه ..) (^٦)، وقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث) (^٧)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك)، وهذه خلاصة ما قيل فيه، وأن روايته مردودة بسبب اختلاطه، ولم يُمَيَّزْ حديثه بحيث يعرف من روى عنه قبل اختلاطه فتقبل روايته، ومن روى عنه بعد الاختلاط فترد روايته.
والعلة الثانية: الاختلاف في طلحة وأبيه وجده، فقال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن هذا الحديث فلم يثبته، وقال: (طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: هو طلحة بن مصرف، ولو كان طلحة بن مصرف لم يختلف فيه» (^٨).
وفي «المراسيل» له قال: سئل أبو زرعة عن طلحة هذا، فقال: (لا
_________________
(١) "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/ ٧٤).
(٢) "خلاصة البدر المنير" (١/ ٣٢).
(٣) "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٤٦).
(٤) "الميزان" (٣/ ٤٢٠).
(٥) "تهذيب التهذيب" (٨/ ٤١٧).
(٦) "المجروحين" (٢/ ٢٣٧).
(٧) "الجرح والتعديل" (٧/ ١٧٩).
(٨) "العلل" (١/ ٥٣).
[ ١ / ٢٢٧ ]
أعرف أحدًا سَمَّى والد طلحة، إلا أن بعضهم يقول: ابن مصرف) (^١).
ووالد طلحة مجهول عند أهل العلم، كما تقدم عن ابن عيينة، وحكى ابن حجر عن ابن القطان أنه قال: (علة الخبر عندي الجهل بحال مصرف بن عمرو والد طلحة (^٢» وجَدُّ مصرف مختلف في اسمه - كما تقدم - ومختلف في صحبته، وقد مضى ذكر ذلك.
وخلاصة ذلك أن هذا الإسناد مختلف فيه، والأكثرون على عدم إثباته، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز.
وأما الحديث الثاني وهو حديث علي ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١١١) بطوله، وأخرجه النسائي (١/ ٦٨)، وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الثالث من أحاديث الوضوء، وقد ساق الحافظ في الموضعين موضع الاستدلال الذي يريده.
وأما الحديث الثالث وهو حديث عبد الله بن زيد فقد أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥) وقد مضى تخريجه، وهو الحديث الرابع من أحاديث الوضوء، واللفظ المذكور أخرجاه من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وقد بوّب عليه البخاري بقوله: (بابُ مَنْ مضمض واستنشق من غرفة واحدة) (برقم ١٩١).
الوجه الثالث: في هذه الأحاديث الثلاثة جاءت كيفية المضمضة والاستنشاق على ثلاث صفات:
الأولى: الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وذلك بأن يأخذ لكل منهما ماء على حدة، فيتمضمض ثلاثًا بثلاث غرفات، ويستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات، فيكون المجموع ست غرفات، ليكون أسبغ في الوضوء، ودليل ذلك حديث طلحة، وهو حديث ضعيف، كما تقدم، لا تقوم به حجة، لكن ورد ما يؤيد ذلك، كما سيأتي إن شاء الله، وقد قال بهذه الصفة فقهاء الحنفية، وأكثر
_________________
(١) "المراسيل" (١٧٩).
(٢) "التلخيص" (١/ ٩٠).
[ ١ / ٢٢٨ ]
فقهاء الشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد (^١)، وقد ذكر ابن الملقن أن الفصل يصدق على أنه يأخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، وغرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا (^٢).
الثانية: المضمضة والاستنشاق ثلاثًا من كف واحدة، بغرفة واحدة، مراعاةً للاقتصاد في ماء الوضوء، ولأن الفم والأنف جزءان من عضو واحد وهو الوجه، ودل على ذلك حديث علي ﵁، وهو قوله: (إن النبي ﷺ تمضمض واستنثر ثلاثًا، يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء) لكنه غير صريح في ذلك، بل يحتمل أنه كان يأخذ كف الماء ثم يتمضمض ويستنثر، ثم يأخذ كفًا اخر .. يفعل ذلك ثلاث مرات، ولعل هذا هو الأقرب، ليتفق مع حديث عبد الله بن زيد الآتي، وقد جاء في حديث علي ﵁ ولفظه: (ثم تمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا) (^٣)، وظاهر هذا الفصل، كما سيأتي، ثم إن الصفة المذكورة قد تكون متعذرة، إذ يعسر أن يبقى الماء في كف الإنسان يتمضمض منه ثلاثًا، ويستنشق منه ثلاثًا، وفي رواية: (ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاثًا) (^٤).
الصفة الثالثة: المضمضة والاستنشاق من كف واحدة بثلاث غرفات، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين: (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء)، وفي رواية لهما: (مضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا) (^٥)، وهذا قول الشافعي في الجديد، ورواية عن الإمام مالك، ذكرها القاضي عياض (^٦)، ورواية عن الإمام أحمد نَصَّ عليها (^٧).
_________________
(١) "الهداية" (١/ ٢٣)، "المنتقى" (١/ ٤٥)، "المجموع" (١/ ٣٩٧)، "الإنصاف" (١/ ١٥٢).
(٢) "البدر المنير" (٣/ ٢٧٦).
(٣) أخرجه أبو داود (١١٢)، والترمذي (٤٩).
(٤) أخرجه النسائي (١/ ٦٩).
(٥) أخرجه البخاري (١/ ١٩١، ١٩٢)، ومسلم (٢٣٥).
(٦) "الأم" للشافعي (١/ ٢٤)، "شرح القاضي على صحيح مسلم" (٢/ ٢٦).
(٧) "الإنصاف" (١/ ١٥٢).
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله يُسأل: أيُّما أعجب إليك؛ المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، أو كل واحدة منهما على حدة؟ قال: بغرفة واحدة) (^١).
والراجح من هذه الصفات الأخيرة، لورودها في حديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وعليها يحمل حديث علي ﵁، كما تقدم، وقد رجحها النووي (^٢)، أما رواية الفصل فهي ضعيفة، لضعف حديث طلحة، كما تقدم.
لكن ذكر ابن الملقن (^٣) وصاحب «عون المعبود» (^٤) أن أبا علي بن السَّكَن - وهو من الأئمة الحفاظ - روى في سننه المسماة: «الصحاح المأثورة» من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: (شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضآ ثلاثًا ثلاثًا وأفردا المضمضة من الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله ﷺ توضأ). ثم قال: (روي عنهما من وجوه). فهذا صريح في الفصل بينهما، وشقيق بن سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وروى عن الخلفاء الأربعة وعدد من الصحابة ﵃.
وقد جاء من طريق عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء، فقال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء، فأُتي بميضأة، فأصغى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا .. الحديث) (^٥)، وظاهر ذلك أنه أخذ ماء للمضمضة بمفردها، ثم ماء اخر للاستنشاق بمفرده؛ لأن الاستنثار يلزم منه الاستنشاق.
قال الصنعاني: (ومع ورود الروايتين: الجمع وعدمه، فالأقرب التخيير، وأن الكل سنة، وإن كانت رواية الجمع أكثر وأصح ..) (^٦). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٧٠).
(٢) "المجموع" (١/ ٣٦٠).
(٣) "البدر المنير" (٣/ ٢٨٨).
(٤) "عون المعبود" (١/ ٢٣٤).
(٥) أخرجه أبو داود (١٠٨).
(٦) "سبل السلام" (١/ ٩٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]