١٢/ ١٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ فَبَالَ في طَائِفَةِ الْمَسْجِد، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ؛ فَأُهْرِيْقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أنس بن مالك بن النضر، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، قدم النبي ﷺ المدينة، وهو ابن عشر سنين، فأتت به أمه أم سليم بنت ملحان رسول الله ﷺ فقالت: هذا أنس، غلام يخدمك، فقبله النبي ﷺ ودعا له، وقال: «اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة»، قال أنس: فرأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة، فلقد دفنت لِصُلبِي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وبقي خادمًا للنبي ﷺ حتى توفي ﷺ، وأقام بعده في المدينة، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة تسعين، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء»، باب «تَرْكِ النبي ﷺ والناس الأعرابيَّ حتى فرغ من بوله في المسجد» (٢١٩، ٢٢١)، وأخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ (٢٢٠) وفي اخره: «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسِّرين»، وأخرجه في كتاب «الأدب» (٦٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁ - أيضًا ـ،
_________________
(١) "الاستيعاب" (١/ ٢٠٥)، تذكرة الحفاظ" (١/ ٤٤)، "الإصابة" (١/ ١١٢).
[ ١ / ٦٤ ]
ولفظه: (قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلّم النبي ﷺ قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعًا»، يريد رحمة الله)، وأخرجه مسلم (٢٨٤) وفيه: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ﷿، والصلاة، وقراءة القران»، أو كما قال رسول الله ﷺ ..).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (أعرابي) المراد به البدوي الذي يسكن البادية، نسبة إلى الأعراب على لفظه، وإنما نسب الأعرابي إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار، أو لأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب، لقيل: عربي، فيشتبه المعنى؛ لأن العربي عام لمن سكن البادية أو الحاضرة.
قوله: (بذنوب من ماء) بفتح الذال المعجمة وضم النون، هو الدلو العظيم، ولا يسمى ذنوبًا حتى يكون مُلئ ماءً، ويكون قوله: (من ماء) من باب الإيضاح والتأكيد، كقولهم: كتبت بيدي.
قوله: (فأهريق عليه) بضم الهمزة وسكون الهاء، أي: صُبَّ عليه، وهو فعل مبني للمجهول، والمبني للمعلوم: أهراق، ومضارعه: يُهْرِيق (^١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب العناية بالمساجد واحترامها وتنزيهها من البول والعذرة، وسائر الأقذار، وهذا يؤخذ من زجر الناس لهذا الأعرابي ومبادرتهم إلى الإنكار عليه، ولولا أن ذلك منكر عندهم لما زجروه، لكن فاتهم النظر إلى أن منعه وقطعه يؤدي إلى الضرر به، وزيادة في التنجيس لمكان اخر، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن زجره وأمرهم بالرفق به.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بصب الماء على المكان النجس بدون تكرار، سواء أكانت الأرض
_________________
(١) انظر: "المغني في تصريف الأفعال" (٩٦ - ٩٧).
[ ١ / ٦٥ ]
رخوة أم صلبة، وشرط طهارتها أن تزول عين النجاسة، وقد أفاد قوله: (فأهريق عليه) أنه لم يحفر المكان أو ينقل ترابه أو يُحَوَّطْ عليه، بل صُبَّ عليه الماء فقط.
وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وأما ما ورد عند أبي داود من حديث عبد الله بن معقل، وفيه: وقال - يعني النبي ﷺ: «خذوا ما بال عليه من تراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء»، فقد قال أبو داود عَقِبَهُ: (هو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ) (^١).
فإن كان للنجاسة جرم كعذرة أو دَمٍ جَفَّ، فلا بد من إزالة ذلك قبل تطهيرها بالماء.
الوجه السادس: وجوب المبادرة بتطهير المساجد من النجاسة إذا حصلت فيها، لقوله: (فلما قضى بوله أمر ..)؛ لأن النجاسة لو تركت قد يخفى مكانها، وقد يصلّى عليها.
وهي لا تطهر بالجفاف - عند الجمهور - سواء أكان ذلك بالشمس أم بالريح أم بالظل، قالوا: ولو كان الجفاف مطهرًا لاكتفى به النبي ﷺ، ولم يأمر بالماء.
وقالت الحنفية: إن الجفاف يطهر الأرض، فتجوز الصلاة عليها؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجاستها بذاتها، فإذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.
وهذا قول قوي، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، وتلميذه ابن القيم (^٣)، قال شيخ الإسلام: (إنه أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل)، ثم ساق حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) (^٤)، فقد استنبط شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا
_________________
(١) "سنن أبي داود" (٣٨١).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ٨٥)، "الفتاوى" (٢١/ ٤٧٩).
(٣) "إغاثة اللهفان" (١/ ١٥٠).
(٤) أخرجه البخاري (١٧٤).
[ ١ / ٦٦ ]
الحديث أن الارض إذا أصابتها نجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثر صارت الأرض طاهرة.
وأما دليل الجمهور فالجواب عنه ما تقدم، وهو أن المسجد يجب تطهيره في الحال لأنه مصلّى الناس، ولئلا ينجس به أحد، أو تنتقل النجاسة بالمشي إلى مكان اخر في المسجد.
الوجه السابع: وجوب الرفق بالجاهل في التعليم، وأنه لا يؤذى ولا يعنف إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا وعنادًا.
الوجه الثامن: الحديث دليل على القاعدة الفقهية العظيمة (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما) أو (دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما)، وذلك أن البول في المسجد مفسدة، والاستمرار عليه مفسدة، وقد حصل ذلك، لكن كون الرجل يقوم من بوله مفسدة أكبر لما يترتب عليه من مفاسد، وهي:
١ - تضرر هذا الرجل بقطع بوله واحتباسه.
٢ - أنه يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه.
٣ - أنه يؤدي إلى تلوث مكانٍ أكبر من المسجد، والله أعلم.
[ ١ / ٦٧ ]