٢٩/ ٦ - عَنْ أَبي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو السمح، مولى رسول الله ﷺ، ويقال له: خادم رسول الله ﷺ، قيل: إن اسمه إياد، روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا، وروى عنه مُحِلُّ بن خليفة الطائي، قال ابن عبد البر: يقال: (إنه ضلَّ ولا يُدرى أين مات)، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (٣٧٦) في كتاب «الطهارة»، باب «بول الصبي يصيب الثوب» من طريق محل بن خليفة، حدثني أبو السمح، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: «ولني قفاك»، فأوليه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»)، وأخرجه النسائي مفرقًا في موضعين، نصفه الأول في باب «ذكر الاستتار عند الاغتسال» (٢٢٤) (١/ ١٢٦) ونصفه الثاني في باب «بول الجارية» (٣٠٤) (١/ ١٥٨)، فظن بعض العلماء أن لأبي السمح حديثين، وإنما هما حديث واحد بإسناد واحد، فرَّقه النسائي، كما ذكر الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة «أبي السمح».
_________________
(١) "الاستيعاب" (١١/ ٣١١)، "الإصابة" (١١/ ١٧٩)، "تهذيب التهذيب" (١٢/ ١٣١).
[ ١ / ١٢٢ ]
وأخرج - أيضًا - الحاكم (١/ ١٦٦) نصفه الثاني وصححه، ووافقه الذهبي، ونقل البيهقي عن البخاري أنه قال: (حديث أبي السمح هذا حديث حسن) (^١).
والحديث له شواهد منها: حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الرضيع: «ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية». قال قتادة: هذا إذا لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا (^٢).
ومنها: حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي ﵄ في حجر النبي ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: «إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر» (^٣).
وورد في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (^٤)، ومن هذا يتبين أن البخاري ومسلمًا لم يخرجا في صحيحيهما أحاديث التفرقة بين بول الغلام والجارية، إلا أن البخاري استحسن حديث أبي السمح، كما تقدم.
_________________
(١) "السنن الكبرى" (٢/ ٤١٦)، واستعمال مصطلح (الحسن) عند البخاري موضع خلاف بين أهل العلم في معناه، وقد حقق بعض الباحثين بعد الاستقراء والدراسة لما حسنه البخاري أو نقله عن الترمذي أن ما صرح البخاري بتحسينه فالمراد به: الحديث المحفوظ الثابت الذي يرويه الثقة أو الراوي المتكلم فيه، إذا علم أن ذلك الحديث من صحيح حديثه الذي حفظه وأتقن ضبطه، أما ما حكم بصيغة (أحسن) فإن المراد يتضح من سياق الكلام، والبخاري استعملها مرة بمعنى أقل الضعيف، ومرة بمعنى الحديث الأرجح، أي: الأشبه بالصواب، وأما ما لم يصرح البخاري بتحسينه، ولكن الترمذي نقل عنه ذلك، فهذا مما نقله الترمذي بحسب فهمه، ويحتاج إلى تأمل؛ لأنه يطرقه احتمالات عديدة. انظر: "الحديث الحسن" للدكتور: خالد الدريس (٢/ ٦٨٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٧٨)، والترمذي (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجه (٥٢٥)، وأحمد (٢/ ٧، ١٥١)، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٥)، وابن ماجه (٥٢٢)، وأخرجه أحمد (٤٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦) بأسانيد ثلاثة عنها، اثنان منها صحيحان، والثالث حسن، وبه أخرجه أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم (١/ ١٦٦) ووافقه الذهبي، قاله الألباني في تخريج "المشكاة" (١/ ١٥٦)، وقال البيهقي في "السنن" (٢١/ ٤١٦): (والأحاديث المسندة في الفرق بين بول الغلام والجارية في هذا الباب إذا ضم بعضها إلى بعض قويت ..).
(٤) أخرجه البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧).
[ ١ / ١٢٣ ]
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (الجارية) هي الفتية من النساء، سميت بذلك لخفتها، والمراد هنا: الصغيرة التي في زمن الرضاع.
قوله: (ويرش) أي: يصب عليه الماء بحيث يعم مكان البول، وفي حديث علي ﵁ المتقدم (يُنضح) وفي حديث أم قيس: (فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله)، والفرق بين الغسل والنضح، أن الغسل أن يغمره الماء وينزل عنه، وفي النضح لا يشترط أن ينزل عنه، بل يكاثره بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره.
قوله: (الغلام) هو الابن الصغير، من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازًا باعتبار ما كان عليه، والمراد به هنا: زمن الرضاع، لما جاء في حديث علي ﵁ عند الترمذي بلفظ: (بول الغلام الرضيع ..).
الوجه الرابع: الحديث دليل على التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وأنه يجب فيهما استعمال الماء، وإنما التفرقة في كيفية الاستعمال، وهو أن بول الغلام يكفي رشه بالماء رشًا يعم مكان البول، ولا يحتاج إلى غسل ولا عصر، وقد ورد في حديث أم قيس - عند مسلم ـ: (فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلًا)، وأما بول الجارية فيغسل كغيره.
الوجه الخامس: أن هذا الحكم - وهو نضحه ورشه - مقيد بما إذا لم يأكل الطعام كما قيده به الراوي، وهو قتادة ﵀، وفي حديث أم قيس: (لم يأكل الطعام)، وعند مسلم: (لم يبلغ أن يأكل الطعام)، ومعنى: (لم يأكل الطعام)، أي: لم يكن الطعام قوتًا له لصغره، وإنما قوته اللبن سواء أكان لبن ادمية أم بهيمة أم كان حليبًا مجففًا - كما هو الآن - لأن المعنى واحد، وليس المراد أنه لم يدخل جوفه شيء قط؛ لأنه يسقى الأدوية والسكر ويحنك حين الولادة، فإذا تغذى بالطعام صار بوله كبول الكبير، ولو كان أحيانًا يشرب لبنًا.
الوجه السادس: قال ابن القيم: (إن التفرقة بين بول الغلام والجارية من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.
[ ١ / ١٢٤ ]
والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق) (^١).
وقد ذكر ابن ماجه عن أبي اليمان المصري قال: (سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية» والماءان جميعًا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقِنْتَ؟ قلت: لا، قال: إن الله تعالى لما خلق ادم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال لي: فهمتَ؟ قلت: نعم، قال لي: نفعك الله به) (^٢).
قال ابن الملقِّن: (وهذا عزيز حسن، لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا - أي: الشافعية - أهملوا ذلك في كتبهم، وهو قول إمامهم ..) (^٣).
الوجه السابع: ليس في تجويز النضح من بول الغلام دليل على طهارته، بل هو نجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، قال النووي: (وقد نقل بعض أصحابنا الإجماع على نجاسته، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري) (^٤).
الوجه الثامن: الحديث يدل بمفهومه على أن عَذِرَةَ الصغير يستوي فيها الغلام والجارية، فلا بد فيها من الغسل كبقية النجاسات؛ لأنهما سواء في جميع الأحوال، لكن فرقت السنة بينهما في البول، فبقي ما عداه - وهو العذرة - على الأصل، والله أعلم.
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (٢/ ٥٩).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٧٥).
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (١/ ٦٨٦).
(٤) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٩٩).
[ ١ / ١٢٥ ]