٣٠/ ٧ - عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ - فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ـ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، أسلمت قديمًا في مكة بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء عام الهجرة - على الأصح - وكانت تلقب بذات النطاقين، وقد أخرج ابن سعد بسنده عن أسماء قالت: (صنعت سُفْرَةً (^١) للنبي ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربطه به إلا نطاقي، قال: فشقيه اثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين) (^٢)، قال الحافظ: (وسنده صحيح)، روت أسماء عن النبي ﷺ، وروى عنها ابناها عبد الله، وعروة ابنا الزبير، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وغيرهم.
عاشت أسماء ﵂ إلى أن ولي ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة، ثم إلى أن قتل سنة ثلاث وسبعين، وماتت بعده بقليل، قال هشام بن عروة عن أبيه:
_________________
(١) السفرة: طعام يصنع للمسافر، وتطلق على الجلدة التي يوعى فيها الطعام مجازًا.
(٢) "الطبقات" (٨/ ٢٥٠).
[ ١ / ١٢٦ ]
(بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، ﵂) (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٧)، وفي كتاب «الحيض» باب «غسل دم المحيض» (٣٠٧) والترجمة الأولى أعم من الثانية، كما ذكر الحافظ (^٢)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٩١)، كلاهما من طريق فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء ﵂ به، واللفظ لمسلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (في دم الحيض) هو دم طبيعي يعتاد الأنثى في أوقات معلومة، عند بلوغها وقابليتها للحمل، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
قوله: (تَحُتُّهُ) بفتح المثناة، وضم المهملة، وتشديد المثناة الفوقانية، من باب قتل، أي: تحكه وتَقْشُره بطرف حجر أو عود، وقد أخرجه ابن خزيمة بلفظ: «فحكيه ثم اقرصيه بالماء»، وفي لفظ: «فَلْتَحُكَّهُ» (^٣)، والمراد بذلك إزالة عينه، ليهون غسله بالماء.
قوله: (ثم تَقْرُصُهُ بالماء) بفتح المثناة الفوقية، وسكون القاف وضم الراء والصاد المهملتين، من باب نصر ينصر، أي: تدلك الدم بأطراف أصابعها بالماء، ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه.
قوله: (ثم تنضحه) بفتح الضاد المعجمة، من باب فتح يفتح، أي: تغسله بالماء، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عائشة قالت: (كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه) (^٤)، فحديث عائشة هذا يفسر حديث أسماء، وأن النضح يراد به الغسل، فأما
_________________
(١) "الاستيعاب" (١٢/ ١٩٥)، "الإصابة" (٦/ ٨٣) (١٢/ ١١٤)، "تهذيب التهذيب" (١٢/ ٤٢٦).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٤١٠).
(٣) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ١٤٠).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٨).
[ ١ / ١٢٧ ]
نضحها على سائره فهو رش لا غسل، وإنما فعلت ذلك لتطيب نفسها؛ لأنها لم تنضح على مكان فيه دم، وإنما غسلته، والنضح على مكان لا دم فيه دفعًا للوسوسة (^١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس يجب غسل قليله وكثيره، ونجاسته مجمع عليها؛ لأنه ﷺ أمر بغسله من الثوب قبل أن يصلى فيه، قال ابن بطال: (حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب) (^٢)، وقد استدل به العلماء على نجاسة الدم، قال الشافعي: (وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره) (^٣). وبوّب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: «باب غسل الدم» (^٤)، ويُعفى عن يسيره على الرَّاجح من قولي أهل العلم (^٥).
وأما الخارج من غير السبيلين كدم الرعاف، والسن، والجروح، ونحوها ففيه قولان:
الأول: أنه نجس، فيجب غسله، ويُعفى عن يسيره، كما سيأتي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل نقل غير واحد الإجماع على نجاسته، ومنهم: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، والنووي، والعيني، وغيرهم (^٦).
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» قول الإمام أحمد: (إنه لم يختلف المسلمون في الدم) أي: على أنه نجس (^٧).
كما استدلوا على نجاسته بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا
_________________
(١) "شرح ابن بطال" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
(٢) المصدر السابق.
(٣) "الأم" (١/ ٨٥).
(٤) "فتح الباري" (١/ ٣٣٠).
(٥) انظر: "الشرح الكبير" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨)، "تصحيح الفروع" (١/ ٢٥٤).
(٦) "مراتب الإجماع" ص (١٩)، "الاستذكار" (٣/ ٢٠٤)، "بداية المجتهد" (١/ ١٩٩)، "شرح مسلم" (٣/ ٢٠٤)، "عمدة القارئ" (٣/ ١٨).
(٧) "شرح العمدة" (١/ ١٠٥)، "الفروع" (١/ ٢٥٣).
[ ١ / ١٢٨ ]
عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والرجس يطلق في كلام العرب على الشيء المستقذر، والمراد هنا: الاستقذار الشرعي، وهو النجاسة (^١)؛ لأن الاستقذار اللغوي لا يفيد بمفرده النجاسة، وكلام الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية، وليس على الحقيقة اللغوية.
القول الثاني: أنه طاهر، عدا دم الحيض، وهذا قول الشوكاني (^٢)، وتبعه على ذلك صدّيق حسن خان (^٣)، ثم الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين (^٤).
واستدلوا بأدلة، منها:
١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة، ولا نعلم دليلًا يوجب غسل الدم إلا دم الحيض، مع دعاء الحاجة إلى بيان ما يصيب الإنسان من جروح أو رعاف، ونحوهما، لا سيما والصحابة ﵃ أهل جهاد، والمجاهد تكثر جراحه، ولو كان الدم نجسًا لكانت الحاجة داعية إلى بيان وجوب غسله وإزالة أثره من البدن والثياب.
٢ - قصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (^٥).
٣ - جاء عدة آثار عن الصحابة ﵃ ظاهرها طهارة الدم، وأنه لا يجب غسله، ومن ذلك ما رواه محمد بن سيرين، عن يحيى بن الجزار: (أن
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١٢/ ١٩٤).
(٢) "الدراري المضيَّة" (١/ ٢٥).
(٣) "الروضة الندية" ص (١٨).
(٤) "السلسلة الصحيحة"، رقم الحديث (٣٠٠)، "تمام المنة" ص (٥٠)، "الشرح الممتع" (١/ ٣٧٤).
(٥) أخرجه مطولًا أبو داود (١٩٨)، وأحمد (٢٣/ ٥١ - ٥٣، ١٥١ - ٥٣ ١) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني صدقة بن يسار، عن علقمة بن جابر، عن جابر بن عبد الله -﵄-. وعلَّقه البخاري مختصرًا بصيغة التمريض في كتاب "الوضوء" (١/ ٢٨٠ "فتح") وسنده ضعيف، لجهالة عقيل بن جابر، وفي متنه نكارة.
[ ١ / ١٢٩ ]
ابن مسعود ﵁ صلَّى وعلى بَطْنِهِ فَرْثٌ ودَمٌ من جَزُورٍ نَحَرَهَا فلم يتوضَّأ) وفي لفظ: (فلم يُعِدِ الصلاة) (^١).
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: (رأيت ابن عمر ﵄ عصَرَ بَثْرَةً في وجهه، فخرج شيء من دمه، فَحَكَّهُ بين أصبعيه، ثم صلّى ولم يتوضأ) (^٢).
وعن عطاء بن السائب قال: (رأيت عبد الله بن أبي أوفى بزَق دمًا، ثم صلَّى، ولم يتوضأ) (^٣).
والقول بطهارة الدم له حظ من النظر، والآية التي استدل بها القائلون بالنجاسة نوقشت من قبل الفريق الآخر من وجهين:
الأول: أن الآية لم تسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل وردت فيما يحرم أكله، لقوله سبحانه: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، ولا تلازم بين التحريم والنجاسة، فقد يكون الشيء حرامًا وهو طاهر كالسموم، وقد يكون طاهرًا وهو حرام، كطعام الغير بلا إذنه أو إذن الشارع (^٤).
الثاني: أن الرجس هنا ليس المراد به النَّجَسَ، بل المراد به الخبيث الذي لا يحل أكله، والرجس قد يراد به النجاسة المعنوية، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقد يراد به النجاسة الحسية لقيام الدليل، كقوله ﷺ في الروثة: «إِنَها رِجْس» (^٥).
فيبقى الاستدلال بالإجماع إن لم يشكل عليه ما ورد عن الصحابة ﵃،
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٢٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، وابن المنذر (٢/ ١٥٦)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٣٨) ومن طريقه البيهقي (١/ ١٥١) بسند صحيح، كما في "فتح الباري" (١/ ٢٨٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٤)، وابن المنذر (٢/ ١٧٢) عن الثوري وابن عيينة، عن عطاء، قال الحافظ: (سفيان سمع من عطاء قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح). "فتح الباري" (١/ ٢٨٢).
(٤) انظر: "الفتاوى" (١٦/ ٢١، ٥٤٢).
(٥) أخرجه البخاري (١٥٦)، وابن ماجه (٣١٤) واللفظ له.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقد توارد على نقله كثيرون، وما قيل من أن العلماء يتبع بعضهم بعضًا في نقل الإجماع يرده نسبة الإجماع إلى الإمام أحمد، وهو من المتشددين في نقل الإجماع، وما ورد عن الصحابة ﵃ قد يكون محمولًا على اليسير الذي يُعفى عنه.
فيترجح القول بالتطهر من الدم، مع ما في ذلك من الاحتياط وإبراء الذمة، واتِّقاء الشبهات التي مَن اتَّقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ويستثنى من ذلك دم الجرح المستمر، لمشقة التحرز منه (^١)، والله أعلم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب تنظيف الثوب من دم الحيض، وذلك بِحَتِّ يابسه بظفر أو عود أو حجر ونحوها، ليزول جِرْمُهُ، ثم دلكه بالماء، ثم غسله بعد ذلك لتزول بقية النجاسة، ومراعاة هذا الترتيب هو الأمثل في إزالة النجاسة اليابسة.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز صلاة المرأة في ثياب حيضها إذا طهرتها، لقوله: «ثم تصلي فيه»، وهذا دليل على أنه لا يصلى في الثياب النجسة إنما يصلى في الثياب الطاهرة، وهذا من أقوى الأدلة على وجوب تطهير الثوب للصلاة.
الوجه السابع: استدل بالحديث من قال: إنه لا بد من الماء في إزالة النجاسة، وأن غيره من المائعات لا يقوم مقامه، وهذا قول الشافعية والمالكية والراجح من مذهب الحنابلة (^٢).
والصواب جواز إزالة النجاسة بكل ما يزيلها من ماء أو غيره، كالخل وماء الورد ونحوهما، وهذا قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له ودافع عنه (^٣)؛ لأن المقصود إزالة النجاسة، وغير الماء يشارك الماء في ذلك، والشرع كما أحال على الماء في تطهير النجاسة أحال على غيره مما يشاركه في التطهير، ففي حديث أبي سعيد ﵁: «إذا جاء أحدكم إلى
_________________
(١) انظر: "فتاوى ابن باز" (١٠/ ٤٠٣)، "فتاوى ابن عثيمين" (١/ ٢٦٧١).
(٢) "المجموع" (١/ ٩٢)، "الخرشي على مختصر خليل" (١/ ٦٢)، "الإنصاف" (١/ ٣٠٩).
(٣) "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٠٩)، "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٧٥).
[ ١ / ١٣١ ]
المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما»، وسيأتي إن شاء الله، وقال ﷺ في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» (^١).
وأما حديث الباب فلا دليل فيه على تعيين الماء؛ لأن الشرع نص على الماء؛ لأنه أيسر على الناس وأسهل تناولًا، وليس فيه ما يدل على تعيين الماء، فإن الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا.
وما دام أن إزالة النجاسة من الأمور التي يعقل معناها وليست من الأمور التعبدية، فأيُّ مزيل لها يعتبر كافيًا، ولا يتعين الماء، بل ربما كانت المزيلات الأخرى أقوى من الماء في الإزالة، ولا سيما في عصرنا، حيث ظهرت المعقمات والمطهرات الكيماوية التي لا تبقي للنجاسة لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا، لما لها من الأثر في التطهير والتعقيم، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٣)، وصححه الألباني في "حجاب المرأة المسلمة" ص (٣٧).
[ ١ / ١٣٢ ]